الأخبارمقالات و تحليلات

ترامب والشرع.. لقاء مدفوع الثمن / أحمد نجم

أحمد نجم / كاتب مصري

منذ عدة أشهر، لم يكن الرئيس السوري أحمد الشرع يحلم أن يظهر علانية أو أن تطأ قدماه مطارًا أمريكيًا.

لكن في السياسة، المصالح تتصالح، فالنظام السوري يريد البقاء، وأمريكا تريد الوجود أكثر في الشرق الأوسط.

فبعد أن كانت أمريكا قد رصدت مكافأة لمن يدلي بمعلومات عن مكان الشرع، أحد زعماء الفصائل الإسلامية التي كانت تطاردهم أمريكا بدعوى مكافحة الإرهاب، يتم اللقاء بين الرئيسين.

تحديدًا اليوم الإثنين، يستقبله الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في واشنطن، لكنه لقاء مدفوع الثمن مقدمًا، بعد أن وافق الرئيس السوري على جميع الشروط، بل أوامر أمريكا

لقاء اليوم هو الثاني بعد أن التقيا في السعودية، أثناء انعقاد مؤتمر دول الخليج مع أمريكا، في 14 مايو الماضي، وهو اللقاء الذي مهد له الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد السعودي، والرئيس التركي رجب طيب أردوغان، وهما من أهم داعمي الشرع، بعد وصوله إلى كرسي الرئاسة.

عقب الاجتماع، أكد ترامب أنه سيرفع العقوبات عن سوريا بهدف منحها فرصة البقاء والانخراط في العملية السياسية، التي ترسمها أمريكا في الشرق الأوسط، والتي من المؤكد أنها ترتبط بأجندتها المكتوب على غلافها: «الموافقة أولًا لمن يريد الحماية الأمريكية».

الشرع أكد لترامب التزامه بأمن إسرائيل وبحسن الجوار، وطرح أن تكون سوريا عاملًا مساعدًا في تيسير حركة التجارة بين الشرق والغرب عبر البحر المتوسط، بالإضافة إلى طرحه لسوق النفط والغاز الطبيعي في سوريا، تحت تصرف الاستثمارات الأمريكية.

كما اقترح الشرع بناء برج عالمي ضخم في العاصمة السورية باسم ترامب، وهو ما قابله ترامب بابتسامة قد تكون ساخرة من حالة الضعف التي بدا عليها الرئيس السوري.

الشرع أراد أن يبقي على نظامه، والبقاء تحت المظلة الأمريكية بعد نصائح خليجية وتركية، خاصة بعد أن استغلت إسرائيل حالة الفوضى أثناء إطاحة الشرع بنظام بشار الأسد، وشنت سلسلة غارات مدمرة على المواقع العسكرية السورية، قضت خلالها على مراكز القوات الجوية بالكامل، وبعض مخازن الأسلحة والقواعد العسكرية المختلفة، كي تضمن ضعف القوات السورية، وعدم قدرتها على مواجهتها، وهو ما حدث بالفعل.

وكانت الاستجابة الفورية من الشرع للشروط الأمريكية، بل بالأدق الإسرائيلية، للانخراط في المجتمع الدولي تحت مظلتهما، مدعاة لفرض عدة شروط أو أوامر.

وكانت بداية المكافأة الموافقة على زيارة الشرع لأمريكا في سبتمبر الماضي، ومشاركته بإلقاء كلمة في اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك.

أيضًا عبور الرئيس السوري للشرعية الدولية كان يتطلب الموافقة على عدة أوامر، منها إقامة قاعدة عسكرية جوية أمريكية في العاصمة السورية لضمان حفظ الأمن بين سوريا وإسرائيل، ومراقبة الأوضاع في المنطقة، بشكل عام ولبنان بشكل خاص.

بالفعل قامت أمريكا باختبار مكان القاعدة وإقامة مدرجات الهبوط، وتمت تجربة هبوط طائرات نقل عسكرية ضخمة من طراز C-130 لاختيار صلاحية المكان وتجهيزه.

كما تضمنت الشروط الأمريكية التي وافق الشرع عليها تدمير مخازن الأسلحة الكيماوية المتبقية والتعاون التام مع الهيئات الدولية، وحظر تعيين المقاتلين الأجانب في مناصب عسكرية والعمل على إبعادهم خارج البلاد، وهم فصيل المرتزقة الذي كان يقاتل مع الشرع من قبل.

أيضًا تطبيع العلاقات مع إسرائيل وإقامة علاقات دبلوماسية بينهما لضمان أمن المنطقة ضمن اتفاق إبراهام الموقع بين إسرائيل ودولة الإمارات العربية المتحدة، بالإضافة إلى عدم إثارة قضية احتلال إسرائيل لهضبة الجولان السورية في المحافل الدولية.

كذلك تضمنت الشروط الأمريكية عدم التعاون مع النظام الإيراني، وخاصة الحرس الثوري الإيراني وحزب الله في لبنان، باعتبارهما منظمات إرهابية طبقًا للمقررات الأمريكية، والتصدي لتنظيم داعش، والانضمام للتحالف الدولي الذي تقوده أمريكا، والقضاء على مراكز داعش شمال شرقي سوريا، بينما بقيت تلميحات غير صريحة بضرورة تقليل حجم التواصل السوري الروسي.

كانت الموافقات الفورية السورية على الشروط الأمريكية بداية لمرور الشرع إلى المجتمع الدولي ولقائه دونالد ترامب اليوم الإثنين، بعد أن تبدلت المواقف من إرهابي مطلوب القبض عليه في مايو 2013، وإدراج اسمه على قوائم الإرهابيين.

بل في عام 2017 أعلنت أمريكا مكافأة قدرها عشرة ملايين دولار لمن يدلي بمعلومات تؤدي إلى اعتقال الشرع، المولود في 29 أكتوبر 1982، وكان يتولى قيادة هيئة تحرير الشام المصنفة دوليًا منظمة إرهابية من دول غربية وعربية وأيضًا من مجلس الأمن، باعتباره قائدًا للمتمردين، وكان له اسم حركي يُدعى «أبو محمد الجولاني».

لكن اليوم الإثنين، العاشر من نوفمبر، يلتقي الرئيس الأمريكي بنظيره السوري في البيت الأبيض، بحسب ما أعلنته كارولين ليفيت، المتحدثة باسم البيت الأبيض، بأن رئيس الولايات المتحدة الأمريكية دونالد ترامب سيستقبل في البيت الأبيض الاثنين 10 نوفمبر الرئيس السوري أحمد الشرع، ليكون أول رئيس سوري يزور البيت الأبيض وأمريكا.

الشرع سوف يوقع على جميع الاتفاقيات التي تم طرحها بالموافقة، بالإضافة إلى التأكيد على التزامه بالانضمام للتحالف الدولي الذي تقوده أمريكا ضد تنظيم الدولة الإسلامية، لينطوي تحت عباءة أصدقاء الأمس أعداء اليوم.

الشرع دفع الفاتورة، وكانت المكافأة الهامة من أمريكا هي الاستجابة لطلب إسرائيل وتركيا برفع العقوبات الأممية عن الرئيس السوري أحمد الشرع ووزير خارجيته أنس خطاب، حيث قامت أمريكا بتقديم مشروع القرار أمام اجتماع مجلس الأمن الجمعة الماضية، وتمت موافقة 14 دولة من بين 15 هم عدد أعضاء المجلس، بينما امتنعت الصين عن التصويت.

كما قامت أمريكا بالتواصل مع بريطانيا لرفع العقوبات عن سوريا والرئيس السوري ووزير الخارجية، وهو ما تمت الاستجابة لطلبها.

إسرائيل ساهمت بدور كبير في تقديم الشرع لأمريكا في صورة الخاضع بعد أن قامت بتدمير البنية العسكرية السورية، وطلب الشرع التهدئة وإعطاء فرصة للحل التفاوضي، وطلب وساطة ترامب لدى إسرائيل لإيقاف العمليات العسكرية على الأراضي السورية.

وقام بتسليم أرشيف خاص خطير جدًا للجاسوس الإسرائيلي الأشهر إيلي كوهين، الذي تم إعدامه عام 1965، للحكومة الإسرائيلية عقب اجتماع الرياض مع ترامب، لتكون بادرة حسن نوايا الشرع تجاه الاستقطاب الجديد.

وهو ما ثمنه له اللوبي الصهيوني وسعى لدى مجلس الأمن لرفع العقوبات عنه الجمعة الماضية عن طريق مشروع قرار أمريكي. للمظلة الأمريكية الإسرائيلية ثمن، دفعه أحمد الشرع مقدمًا لكي يبقى.

المصدر : الكاتب + https://www.egyptke.com

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى