الأخبارمقالات و تحليلات

من كراكاس الى طهران : حين يتحول مادورو الى كنز استخباري ثمين / د.نبيل العتوم

لا تكمن أهمية نيكولاس مادورو بالنسبة لواشنطن في كونه رئيس دولة معادية فحسب ; بل في موقعه الفريد كحلقة وصل مركزية بين إيران، حزب الله، وشبكات الاقتصاد الرمادي العابرة للقارات. فنزويلا، خلال العقدين الماضيين، لم تكن مجرد حليف سياسي لطهران، بل تحوّلت إلى منصة تشغيلية صامتة، تُدار فيها ملفات حساسة بعيدًا عن أعين الشرق الأوسط، وتحت غطاء دولة منهكة بالعقوبات والفوضى.
ما يجعل مادورو كنزًا استخباريًا هو أنه لا يمثل “واجهة سياسية” فقط، بل كان جزءًا مباشرًا من إدارة منظومة متكاملة يرعاها الحرس الثوري الايراني : منظومة تهريب نفط مقابل ذهب؛ مسارات أموال خارج النظام المصرفي العالمي من ايران وزعماء المليشيات والأحزاب العراقية الولائية وحزب الله اللبناني ، تسهيلات لوجستية للحرس الثوري، وبيئة آمنة لتحركات عناصر مرتبطة بحزب الله في أميركا اللاتينية….و هذه ليست شبكات تعمل بشكل مستقل، بل بنية مترابطة تحتاج رأسًا سياسيًا يضمن الحماية، ويوفر الغطاء القانوني، ويُسكت الأجهزة المحلية ، ومادورو كان هذا الرأس.
من الناحية الاستخبارية، فإن أي معلومات تُستخلص من مادورو لا تتعلق فقط بـ”من” و”أين”، بل بـ”كيف”. كيف تُدار قنوات التمويل البديلة؟ كيف تُغسل الأموال عبر الذهب، النفط، والعملات الرقمية؟ كيف تُستخدم الجاليات، والمطارات، والموانئ، والشركات الوهمية؟ والأهم: من هم الوسطاء الذين لا يظهرون في الخطاب السياسي وعلى العلن ، ولا في بيانات العقوبات؟ هذا النوع من المعرفة هو ما تبحث عنه الاستخبارات الأميركية منذ سنوات، لأنه يسمح بتفكيك الشبكات بدل الاكتفاء بضرب أطرافها.
في ملف حزب الله تحديدًا، تبرز فنزويلا كبيئة تشغيل مثالية؛ فالحزب لم يتعامل مع أميركا اللاتينية كساحة أيديولوجية، بل كسوق وملاذ لاقتصاد الظل: تهريب، تجارة، تحويل أموال، وربط شبكات في أفريقيا وأوروبا. مادورو، بحكم موقعه، يملك خريطة هذه الروابط: من ينسق، من يحمي، ومن يمرّ عبر أي بوابة.، وهذه المعلومات لا تُستخدم لإصدار بيانات، بل لبناء ملفات قضائية واستخبارية طويلة النفس، تُغلق فيها الدوائر واحدة تلو الأخرى.
أما عسكريًا، لا تقل القيمة أهمية ، فإيران استخدمت فنزويلا كنقطة اختبار لنموذج “الانتشار البعيد جغرافيا منخفض الكلفة”، أي العمل في بيئات بعيدة عن خطوط الاشتباك التقليدية مع الولايات المتحدة واسرائيل ، و معرفة تفاصيل هذا النموذج – من التدريب إلى الإمداد إلى التمويه – تمنح واشنطن قدرة على توقعه وإجهاضه في ساحات أخرى، من الشرق الأوسط الى أفريقيا إلى دول آسيا الوسطى.
الأخطر بالنسبة لطهران ليس ما قد يُقال علنًا، بل ما قد يُستخدم بصمت.، فالاستخبارات لا تحتاج إلى اعترافات متلفزة، بل إلى معلومات أسماء، وتواريخ….. ومادورو، بحكم سنوات حكمه وعلاقاته، يمثل أرشيفًا حيًا يمكن أن يُغلق فجوات معرفية بقيت مجهولو رغم العقوبات والاغتيالات والاختراقات السابقة.
في هذا السياق، لا يبدو اعتقال مادورو مجرد ضربة سياسية، بل استثمارًا استخباريًا بعيد المدى ؛ فواشنطن لا تبحث عن إسقاط أنظمة بالشعارات، بل عن تفكيك المنظومات التي تحميها.
في النهاية، قد يختلف العالم حول شرعية ما جرى، لكن داخل غرف الاستخبارات السؤال مختلف تمامًا: كم ملفًا مغلقًا قد يُفتح الآن؟، وكم شبكة اعتقدت أنها بعيدة عن الأضواء، ستكتشف خاصة المتعلقة بايران وحرسها الثوري ووكيلها حزب الله اللبناني .
المصدر : نقلا عن صفحة الكاتب على الفايسبوك 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى