الأخبارتقارير ودراسات

النظام العالمي الجديد وأثره على المجتمعات: / بقلم فاطمة مقني

صراع القوة، الهوية، والتكنولوجيا

تشهد التداعيات الاجتماعية لما يُعرف بـ«النظام العالمي الجديد» تحولات بنيوية عميقة، تعكس إعادة تشكّل موازين القوة الدولية، وتداخل العوامل الجيوسياسية بالاقتصادية والتكنولوجية والثقافية. ويبرز هذا التحول في صعود قوى دولية جديدة، ولا سيما الصين وروسيا، مقابل تراجع نسبي في القدرة الاقتصادية والسياسية للغرب، ما ينعكس مباشرة على البنى الاجتماعية داخل الدول، وعلى أنماط التنمية، والعدالة، والهوية، والاستقرار الاجتماعي عالميًا.

 

أولًا: تغيّر موازين القوى وأثره الاجتماعي

أدى صعود قوى دولية جديدة إلى إعادة توزيع النفوذ العالمي، بما يفرض نماذج تنموية وسياسية مختلفة عن النموذج الغربي السائد سابقًا. فتعزيز الدور الصيني والروسي لا يقتصر على البعد الجيوسياسي، بل يمتد إلى التأثير في السياسات الاجتماعية، وخيارات التنمية، ومفاهيم السيادة والعدالة داخل دول الجنوب العالمي.

 

في المقابل، يرافق التراجع النسبي في النفوذ الاقتصادي الغربي اهتزاز في التماسك الاجتماعي داخل بعض دول الشمال، نتيجة الضغوط الاقتصادية، وتراجع دولة الرفاه، واتساع الفجوات الطبقية، بالتوازي مع محاولات الجنوب بناء تكتلات اقتصادية إقليمية أكثر استقلالية.

 

ثانيًا: التحولات الثقافية والسياسية

يتزامن هذا التحول مع صعود نزعات قومية وشعبوية متزايدة، تسعى إلى إعادة الاعتبار لمفهوم السيادة الوطنية في مواجهة العولمة، كما يظهر في تجارب متعددة داخل الولايات المتحدة وروسيا وغيرها. وتنعكس هذه النزعات على الهويات الثقافية، وتعيد رسم العلاقة بين الدولة والمجتمع، وأحيانًا على حساب التعددية والتماسك الاجتماعي.

في هذا السياق، يتعمق الصراع بين رؤى تسعى إلى فرض نموذج عالمي موحّد، وأخرى تدفع باتجاه نظام متعدد الأقطاب، ما يخلق توترات هوياتية وثقافية، تتغذى أحيانًا من نظريات المؤامرة، وتُستثمر سياسيًا لتعميق الانقسامات داخل المجتمعات.

 

ثالثًا: التأثيرات الاقتصادية والاجتماعية المباشرة

تسعى دول الجنوب إلى تعزيز سيادتها الاقتصادية من خلال تنويع أدواتها المالية، واستخدام العملات المحلية، وتقليص الاعتماد على الدولار، وهو ما ينعكس على أنماط العمل، ومستويات المعيشة، وشكل العلاقة بين الدولة والاقتصاد العالمي.

في المقابل، تبرز فجوة تكنولوجية متزايدة، حيث تؤدي الهيمنة الرقمية، ولا سيما الأميركية، إلى ما يمكن توصيفه بـ«الاستعمار الرقمي»، الذي يخلق انقسامات اجتماعية جديدة بين من يمتلكون التكنولوجيا ومن يُقصَون عنها، مع ما يحمله ذلك من إشكاليات تتعلق بالخصوصية، والرقابة، والتدخل في الشؤون الداخلية.

 

رابعًا: أثر الأزمات الكبرى

كشفت أزمات عالمية كجائحة كورونا هشاشة البنى الاجتماعية والاقتصادية القائمة، ودفعت الدول إلى إعادة ترتيب أولوياتها الداخلية والخارجية. وقد انعكس ذلك على السياسات الاجتماعية، ومستويات الحماية، وفرص العمل، والخدمات العامة.

كما أسهمت هذه الأزمات في تسريع تحولات الهيمنة الدولية، حيث باتت قدرة الدول على إدارة الأزمات معيارًا حاسمًا في تحديد موقعها داخل النظام العالمي، مع ما يرافق ذلك من اضطرابات اجتماعية وسياسية متفاوتة الحدة.

 

خلاصة تحليلية

يمثل النظام العالمي الجديد مرحلة انتقالية مضطربة، تتداخل فيها إعادة تشكيل السلطة الدولية مع تحولات اجتماعية وثقافية واقتصادية عميقة. وفي ظل صراع مشاريع عالمية متنافسة، وتنامي دور التكنولوجيا كأداة للهيمنة أو للتحرر، تجد المجتمعات نفسها أمام تحديات غير مسبوقة، ولكن أيضًا أمام فرص لإعادة صياغة مساراتها التنموية والاجتماعية وفق شروط أكثر استقلالية وتوازنًا.

 

المصدر

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى