الأخبارالرأيفضاء الرأي

موريتانيا: تجاوز العدالة الانفعالية / بقلم الاستاذ الحسين ولد الطالب

محمد ولد اسويدات / وزير العدل الموريتاني

ثمّة لحظة في عمر الدول لا تتكرّر — لحظة تقرر فيها السلطة أن العدل ليس صوتاً يعلو، بل ميزاناً يَدِقّ. في ديسمبر 2025، لم يفتتح الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني محكمتين. افتتح سؤالاً: هل تملك موريتانيا الشجاعة لبناء قضاء يشتغل بالعقل بعد عقود اشتغل فيها بردّ الفعل؟

 

المحكمتان — نواكشوط الجنوبية وإلمينا — ليستا حجراً يُضاف إلى حجر. هما إعلان معماري عن فلسفة مختلفة: أن العدالة التي تنتقم ليست عدالة، وأن القضاء الذي يركض خلف الجريمة دون أن يسبقها بالوقاية يلهث ولا يصل.

 

 

وزير العدل محمد ولد اسويدات حمل هذا المعنى بأربعة مسارات رسمها كمن يخطّ مجرى نهر في أرض عطشى — بعناية من يعرف أن الماء إن أُطلق بلا ضفاف أغرق بدل أن يروي.

وهو الأصعب، لأنه يطلب من المؤسسة أن تعترف بعطبها قبل أن تعلن شفاءها. تسجيل كل ملف إلكترونياً. أرشفة كل إجراء. ربط كل محكمة بشبكة معلومات موحّدة تجعل الملف مرئياً من لحظة دخوله إلى لحظة الحكم. هذه ليست تكنولوجيا — هذه نهاية عصر الجملة الأشهر في أروقة المحاكم الموريتانية: “الملف ما زال عند القاضي.” أيّ ملف؟ عند أيّ قاضٍ؟ ومنذ متى؟ الرقمنة لا تُجيب فقط. الرقمنة تمنع السؤال من أن يُطرح أصلاً. ونشر تقارير دورية — عدد القضايا، متوسط آجال الفصل، نسبة الموقوفين احتياطياً — يحوّل الشفافية من خُطبة يلقيها وزير إلى عادة يوميّة تمارسها دولة. والفرق بين الخطبة والعادة هو الفرق بين الوعد والفعل.

 

المسار الثاني علميّ

وجماله أنه يعترف بحقيقة يتجاهلها كثيرون: التكنولوجيا وحدها عمياء. حاسوب بلا قاضٍ مؤهّل ليس أداة عدل — بل أداة تأخير أسرع. التكوين المستمر للقضاة وكتّاب الضبط هنا ليس ملحقاً بالإصلاح بل شرطه الأول. قاضٍ يفهم النظام الرقمي يختصر أسابيع. قاضٍ لا يفهمه يخلق تراكماً جديداً بواجهة أنيقة. والتوجيهات الرئاسية واضحة في هذا: المعلومة الدقيقة هي بوصلة القرار القضائي، لا المزاج، ولا الضغط، ولا مكالمة الساعة الحادية عشرة ليلاً.

 

المسار الثالث

هو الذي يحمل نبض هذا الإصلاح — إنسانيّ حتى النخاع. العدالة التصالحية للأحداث ليست رفاهية غربية مستوردة. هي عودة إلى مبدأ فقهيّ أصيل لم يغادر الوجدان الموريتاني قطّ: “ادرأوا الحدود بالشبهات.” الطفل الذي يدخل السجن مذنباً بمخالفة يخرج منه حاملاً لجريمة لم يكن يعرف اسمها قبل دخوله. توسيع بدائل الحبس وتفعيل لجان جهوية للمرافقة الاجتماعية وورش تأهيل المرافقين — هذه ليست سياسات على ورق. هذه اعتراف رسمي بأن السجن في حقّ القاصر عقوبة للمجتمع بأكمله وليس للطفل وحده. حين ينكسر طفل داخل جدران مؤسسة عقابية، لا يخرج مواطناً — يخرج سؤالاً مفتوحاً عن عدالة لم تعرف الفرق بين التأديب والتدمير.

 

المسار الرابع بيئيّ وتنموي

وهو المسار الذي لا يصنع عناوين لكنه يصنع الفرق بين محكمة تعمل ومحكمة تتعب. قاعة حرارتها أربع وأربعون درجة لا تُنتج أحكاماً متأنّية — تُنتج رغبة واحدة: إغلاق الملف. البناء المستدام وترشيد الطاقة وتحسين بيئة العمل ليست بنوداً تجميلية. هي البنية التحتية غير المرئية التي تحدّد جودة ما يصدر من تلك الجدران. العدالة لا تعيش في نصوص القوانين فقط — تعيش في المكان الذي يجلس فيه القاضي، والكرسي الذي ينتظر عليه المتقاضي، ودرجة الحرارة التي تُقرأ فيها شهادة الشاهد.

 

ما يفصل هذا الإصلاح عن سابقيه ليس حجم الإنفاق ولا عدد المحاكم. ما يفصله هو النَّفَس — نَفَس رئاسي يربط العدالة بالعلم والتكنولوجيا والبُعد الإنساني والبيئة في خطاب واحد متّصل. الرئيس الغزواني لم يقل “أصلحوا القضاء.” قال — بالفعل لا بالقول — إن القضاء الذي لا يحترم الزمن لا يحترم الإنسان، وإن الدولة التي تقيس عدالتها بعدد السجناء لا بعدد المُنصَفين دولة تخلط بين القوة والعدل.

 

التنسيق بين القضاء والأجهزة الأمنية والمجتمع المدني في مكافحة الجرائم العابرة — الهجرة غير النظامية، التهريب، المخدرات — يكتسب معناه الحقيقي فقط حين يسير بموازاة احترام الحقوق الأساسية لا على حسابها. والوزارة حين تؤكّد هذا التلازم لا تمارس بلاغة دبلوماسية — بل تضع نفسها أمام التزام قابل للقياس. والقياس هنا ليس اختيارياً: المبادئ الأساسية للأمم المتحدة بشأن استقلال القضاء والميثاق الأفريقي لحقوق الإنسان والشعوب يفرضانه فرضاً.

 

في موريتانيا اليوم، شيء يتحرّك تحت السطح. ليس ضجيجاً ولا شعارات — بل إعادة ترتيب هادئة لعلاقة الدولة بالمواطن عبر أكثر الأدوات حساسية: القضاء. والعدالة الانفعالية — تلك التي تحكم بالغضب وتُسجن بالظنّ وتؤجّل بالإهمال — تُودَّع اليوم لا بخطاب بل ببنية. بأرقام تُنشر. بملفات لا تضيع. بأطفال لا يُسجنون. بمحاكم تتنفّس.

 

يقول أهلنا في المحظرة: “العلم ما نفع، لا ما ارتفع.” والإصلاح القضائي على هذا المقياس لا يُحكم عليه بارتفاع جدران المحاكم — بل بانخفاض عدد المظلومين الذين يخرجون منها. المباني قائمة. الرؤية مكتوبة. والامتحان ليس ما افتُتح في ديسمبر — بل ما سيشعر به مواطنٌ عاديّ حين يقف أمام قاضٍ في إلمينا ويُدرك، للمرة الأولى ربما، أن المسافة بينه وبين العدل أصبحت أقصر.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى