تباين الرؤى ظاهرة صحية وموريتانيا تسع جميع أبنائها / أخيارهم حمادي

تابعت، كغيري، في الأيام الأخيرة على هذا الفضاء، تفاعلا كبيرا، أخذ في بعض الأحيان منحى السجالات، والردود التي لم تخل من بعض التشنج في بعض مناحيها، والأخذ والرد أحيانا بسبب ما أثاره اليوم المفتوح الذي نظمته مراكز الدراسات الأربع، الأسبوع الماضي في فندق “شيراتون نواكشوط ” حول الحوار المرتقب، وخصوصا ما يتعلق بمواضيع كحقوق الانسان أو ما يحلو للبعض تسميته “بالإرث الإنساني” على وجه الخصوص، وموضوع الهوية، والموقف من التعديلات الدستورية، والوحدة الوطنية، والعبودية ومخلفاتها.
وفي هذا السياق أود، في البداية، أن ابدي وجهة نظر، ولو متواضعة ومختصرة، حول هذا النقاش الذي فرض نفسه كحديث للساعة ربما لحساسية بعض المواضيع المثارة، و ربما،كذلك، لاتساع الهوة في تحديد بعض المفاهيم المطروحة للنقاش بين بعض النخب السياسية في الوطن، وخصوصا منها ذات البعد الإيديولوجي في فترة معينة.
ومهما يكن من أمر، أعتقد أن مثل هذه الندوات مهم للغاية لأنه يجمع نخبا فكرية وسياسية ووطنية، ويناقش في الغالب مواضيع ذات طابع عام يتعلق بها مصير أمة، ومستقبل البلاد، وامنها وتنميتها، وأي نقاش جاد في هذا الصدد سيكون له انعكاس إيجابي مهما تباينت الرؤى، واختلفت وجهات النظر ، لأن نقاش النخب وجلوسها على طاولة واحدة تتبادل الرأي والراي الآخر، أمر من الأهمية بمكان في حد ذاته حتى ولو اختلفت مشاربها الفكرية، ولا ينبغي أن يكون مدعاة للقلق بقدر ما هو ظاهرة صحية، وأسلوب حضاري للتعبير عن التعلق بالوطن ومستقبله لا يمكن تعويضه حين يكون الحديث عن مصالح شعب ارتبطت عبر التاريخ المشترك ، والدين الواحد وعلى مدى قرون من الزمن. فإذا لم يكن طريق النقاش والحوار هو الوسيلة لحل تلك المشاكل وتقريب وجهات النظر حولها فاي طريق آخر سيكون اَمنا لها، وعلى هذا الأساس يكون على الجميع أن يدركوا، أكثر من أي وقت مضى، أنه لا ينبغي أن نترك الفرص تضيع من بين أيدينا دائما، والمسؤولية الاولى الأولى ستقع على النخب الفكرية والسياسية وأصحاب الراي بدرجة اولى، وهم الأجدر بتذليل كل الصعاب حين يتم تحكيم العقل على العاطفة، والابتعاد عن الاصطفافات، والتخندقات العرقية والإثنية، وحتى السياسية ذات البعد المحدود، لأن وجود الدولة التي تذوب فيها كل الانتماءات أصبح ضرورة حتمية، ولم يعد مجرد خيار في هذه المرحلة لاعتبارات كثيرة امنية وجيوسياسية يضيق المقام عن ذكرها، وبالتالي لا بد من الاتفاق على ما لا يصح الاتفاق دونه.
وهنا دعونا نبحث، ولو قليلا، في الماضي وفي الحاضر، عن كيف يمكن أن توجد “الدولة”؟ اي دولة، وماهي مقومات الدول، وأركانها، وهل وجدت دولة عبر التاريخ ليست لها هوية مشتركة يحترمها الجميع؟؟ وهنا سأترك الإجابة لكم. ولكن خلاصة ما سأقوله هنا هو أنني حضرت للندوة المذكورة، حيث عبر الجميع عن آرائهم في كل القضايا المطروحة بحرية تامة.
فعلا، ما تميز به هذا اليوم وما دار فيه من نقاشات هو أن أغلب الآراء حول مجمل القضايا كانت تسير في اتجاه يكاد يكون منسجما حول ملف حقوق الانسان وشموليته، والوحدة الوطنية واهميتها، وملف مخلفات العبودية وضرورة حله جذريا اذا ما استثنينا بعض الآراء القليلة لكنها كانت موجودة، وهذا الانسجام في المواقف لا يعني بالضرورة أنه لا توجد آراء أخرى غابت فعلا، بل توجد تلك الآراء، وينبغي احترامها، والاستماع إليها ولكن وفق ضوابط لا ينبغي تجاوزها تحت أي ظرف و هي ضوابط المواطنة.
وهنا لا بد أن يدرك الجميع، دون استثناء، أن أي حوار حول مستقبل موريتانيا هو حوار يعني جميع الموريتانيين بغض النظر عن ألوانهم وأعراقهم، والضابط الوحيد فيه هو أن تكون له حدود وهذه الحدود أحيانا تكون بمستوى حدود الوطن، وحوزته الترابية التي لا يجوز ولا يمكن المساس بها لأنها تعتبر خطوطا حمراء، وأن هناك، كذلك، مكاسب تتحقق عبر التاريخ لكل شعب، وقياس وعي الشعوب يقاس بمدى المحافظة عليها وصيانتها والدفاع عنها، إذ ليس من المقبول ان يظل سؤال بحجم الهوية معلقا رغم مرور أكثر من ستة عقود على الاستقلال، فإلى متى ونحن لا إلى هؤلاء ولا إلى أولئك ؟!
إنالاعتراف بالهوية والدفاع عنها لا يعني نكران خصوصية الاَخرين والاعتراف بها اطلاقا، لأننا شعب متعدد الأعراق مثل الكثير من شعوب الأرض حيث توجد اغلبية تسود ثقافتها، وأقليات ينبغي ان تحترم خصوصياتها، وهذا التنوع يجب أن نجعل منه مصدر ثراء لا مصدرا للقلق.
ختاما نحن مقدمون على حوار شامل وفي ظرف استثنائي إقليميًا ودوليا محفوف بالمخاطر، وعلى الجميع أن تتسع صدورهم، وان يدرك كل واحد منا أننا في لحظة تحتاج الى الكثير من المصارحة مع الذات، ومحاولة تجاوز مخلفات الماضي وسلبياته ليتسنى لنا بناء مستقبل اَمن ومستقر لبلدنا بعيدا عن المناكفات اللفظية، واجترار الأزمات، و إن مظالم الدول، وتجاوزات الأنطمة، كل الانظمة التي تعاقبت على الحكم على مدى 65 عاما، لا يمكن ان تختصر في لحظة بعينها مهما كانت خطورة تلك اللحظة ومأساويتها، وان الحلول حين تجتزأ ستبقى ناقصة مهما كان حجم الضرر ، وأهمية إصلاحه، لذلك دعونا نفتح كل الملفات، ونداوي كل الجرتح حتى يطمئن الجميع. ولكي يكون غدنا أفضل لا بد أن نكون قادرين على تجاوز الماضي الاليم ، وطي صفحاته المظلمة بشكل يضمن عدم فتحها مرة أخرى، وعندئذ سننطلق معا الى مستقبل يضمن الانسجام والعيش المشترك.




