بين السياسة و الهندسة /بقلم : المهندس أحمد ولد أعمر

في المشاريع الرقمية ذات الطابع السيادي، لا يكفي أن يوجد النظام في حدّ ذاته، بل يصبح من الضروري التساؤل عن طريقة إنجازه، وعن مدى احترام المعايير التقنية والمؤسسية التي تضمن سلامته واستقلاله، وانسجامه مع مبدأ السيادة الرقمية للدولة. فالمشاريع المرتبطة ببيانات المواطنين، وبالمنظومات الجمركية، وبشبكات الاتصال الوطنية، لا تُقاس قيمتها فقط بوظيفتها الظاهرة، وإنما كذلك بمستوى التحكم الوطني في تصميمها وتنفيذها والإشراف عليها، وبمدى قدرة الدولة على فهم مكوناتها التقنية وتأمينها وتطويرها بشكل مستقل.
ومن بين الأنظمة التي تندرج ضمن هذا الإطار ما يعرف بمنظومة تسجيل ومراقبة أرقام تعريف الأجهزة المحمولة (CEIR)، وهي منظومة تعتمدها عدة دول لتنظيم دخول الهواتف إلى شبكات الاتصال، ومحاربة التهريب، وربط قطاع الاتصالات بالإدارة الجمركية والجهات التنظيمية، بحيث لا يُسمح لأي جهاز بالعمل داخل الشبكة الوطنية ما لم يكن مسجلاً في قاعدة بيانات مركزية مرتبطة بمشغلي الاتصالات. ومثل هذه الأنظمة، رغم أن الواجهة الظاهرة للمستخدم تكون في الغالب بسيطة، إلا أنها تمثل جزءاً من منظومة أكبر يفترض أن تُبنى وفق معايير عالية من حيث الأمن المعلوماتي، والتكامل التقني، والهوية المؤسسية الرسمية.
وقد أظهرت تجارب بعض الدول، من بينها المغرب، أن هذا النوع من الأنظمة يمكن أن يساهم في الحد من دخول الأجهزة غير المصرح بها، وتحسين تحصيل الرسوم، وتعزيز مراقبة السوق، غير أن نجاحه يرتبط بدرجة كبيرة بوضوح منهجية التنفيذ، وبمستوى جاهزية البنية التقنية، وبإشراك الكفاءات الوطنية في التحليل والتطوير والمراجعة. فغياب هذه العناصر قد يؤدي إلى تضخيم كلفة المشروع أو إلى ضعف الثقة في نتائجه، حتى وإن كان الهدف منه مشروعاً في الأصل.
ومن خلال إطلاعي على بوابة التحقق من IMEI،
لاحظت أولا أن الواجهة المستعملة تبدو بسيطة من حيث البناء التقني، كما أنها لا تحمل هوية بصرية وطنية (charte graphique) تعكس الطابع الرسمي للدولة أو مؤسساتها، رغم أن النظام يفترض أن يمثل واجهة سيادية مرتبطة بقطاعات حساسة. ومثل هذه التفاصيل، وإن بدت شكلية، إلا أنها في المشاريع الحكومية تعكس مستوى العناية بالتصميم المؤسسي، ومدى إدراك أهمية الصورة الرسمية للدولة في الفضاء الرقمي.
كما أن الولوج إلى الواجهة يتم عبر الرابط
http://myimei.are.mr/ceir-public/
ولاحظت من الناحية التقنية أن الاتصال يتم أحياناً عبر بروتوكول HTTP غير المشفّر، بدل بروتوكول HTTPS المعتمد في الأنظمة الحديثة، والذي يقوم على استخدام شهادات SSL/TLS لتأمين الاتصال بين المستخدم والخادم. وفي المعايير المعتمدة دولياً، خاصة في الأنظمة المرتبطة بقطاع الاتصالات أو البيانات الحكومية أو المنصات ذات الطابع السيادي، يُعد استعمال الاتصال المشفّر شرطاً أساسياً لضمان سلامة تبادل المعطيات، ومنع إمكانية اعتراضها أو التلاعب بها أثناء النقل.
ولا يعني ظهور واجهة تعمل عبر HTTP بالضرورة أن كامل المنظومة غير مؤمّنة،
فقد تكون هناك طبقات حماية على مستوى الخوادم أو الشبكات الداخلية، غير أن الواجهة العلنية تظل مؤشراً أولياً على مستوى الالتزام بالمعايير التقنية الحديثة، وعلى مدى خضوع النظام للمراجعة المهنية الدقيقة، خاصة في المشاريع التي يفترض أن تراعي أعلى درجات الأمان والموثوقية.
ومن الناحية البرمجية البحتة،
فإن إنشاء واجهة مماثلة وربطها بقاعدة بيانات مركزية لا يُعد عملاً استثنائياً خارج قدرات المهندسين المختصين، خصوصاً وأن موريتانيا تضم كفاءات معتبرة في مجال هندسة البرمجيات ونظم المعلومات، داخل الوطن وخارجه. ولهذا فإن التساؤل هنا لا يتعلق برفض المشروع في حد ذاته، بل بطريقة إنجازه، وبمدى إشراك الخبرات الوطنية في مراحله المختلفة، سواء في التحليل أو التطوير أو المراقبة التقنية، وهو أمر أصبح في الدول الحديثة جزءاً أساسياً من مفهوم السيادة الرقمية.
وإذا صحّ ما يتم تداوله من أن هذا النظام تم اقتناؤه بمبلغ يقارب مليار أوقية من مؤسسة أجنبية، كما يظهر من التوقيع في أسفل البوابة الرقمية
فإن ذلك يدعو إلى طرح تساؤلات مهنية مشروعة حول منهجية التعاقد، وحول حجم العمل المنجز مقارنة بالتكلفة المتداولة، خاصة إذا علمنا أن مثل هذه الواجهات في حدها الأدنى لا تخرج عن قدرات مهندسين مختصين داخل البلد.
وبصفتي مهندس برمجيات موريتانياً، مثل كثير من المهندسين في هذا الوطن،
أرى أن مثل هذه المشاريع السيادية كان من الطبيعي أن تُنجز بمشاركة الكفاءات الوطنية، أو على الأقل بإشرافها،
ليس بدافع الاعتراض، بل من منطلق الحرص على ترسيخ قدرة البلد على التحكم في أنظمته الرقمية، وبناء خبرة محلية تضمن الاستمرارية والأمان والتطوير.
فالسيادة الرقمية لا تتحقق بشراء الأنظمة فقط، بل تتحقق عندما تكون الدولة قادرة على فهم ما تستعمله، والتحكم فيه، وتطويره، وتأمينه بكفاءاتها هي، أو بمشاركة حقيقية منها، وهو ما أثبتت التجارب الدولية أنه الشرط الأساسي لنجاح هذا النوع من المشاريع.
تحيات المهندس
أحمد ولد اعمر




