الأخبارفضاء الرأي

الحوار المرتقب في موريتانيا: فرصة وطنية لا تحتمل التعطيل/ احمد محمد حماده

الاستاذ:احمد ولد محمد حمادة
أحمد محمد حماده — كاتب ومحلل سياسي

في لحظة إقليمية ودولية شديدة الحساسية، تتجه الأنظار في موريتانيا نحو الحوار الوطني المرتقب، باعتباره محطة مفصلية قد تعيد ترتيب المشهد السياسي وتؤسس لمرحلة أكثر استقرارًا وتوازنًا. فالتحديات التي تحيط بالبلاد، سواء الأمنية في الساحل، أو الاقتصادية المرتبطة بتقلبات الأسواق العالمية، أو حتى الاجتماعية، تفرض مقاربة جديدة قوامها التوافق لا المغالبة، والتشارك لا الإقصاء.

لقد أظهرت المؤشرات السياسية الأخيرة، بما في ذلك تصريحات محمد ولد الشيخ الغزواني، جدية واضحة في الدفع نحو حوار وطني شامل، لا يكون مجرد واجهة شكلية، بل إطارًا فعليًا لمعالجة القضايا الكبرى. هذه الجدية ينبغي أن تُقابل بمسؤولية مماثلة من مختلف الفاعلين السياسيين، أغلبية ومعارضة، بعيدًا عن الحسابات الضيقة أو الرهانات الظرفية.

 

لا عراقيل… لا شروط مسبقة:

إن من أكبر التحديات التي قد تعصف بأي حوار وطني هو الإصرار على وضع شروط مسبقة أو محاولة فرض أجندات أحادية. فالحوار، بطبيعته، يقوم على مبدأ التنازل المتبادل والبحث عن أرضية مشتركة، لا على تسجيل النقاط أو كسب المعارك السياسية. لذلك، فإن المطلوب اليوم هو الدخول في هذا المسار بروح وطنية صادقة، تُغلّب مصلحة البلاد على المصالح الحزبية.

على الأغلبية الحاكمة أن تدرك أن نجاح الحوار يتطلب انفتاحًا حقيقيًا، واستعدادًا لتقديم ضمانات تعزز الثقة، وتؤكد أن الحوار ليس مجرد تمرين سياسي، بل خيار استراتيجي. وفي المقابل، على المعارضة أن تتجاوز منطق التشكيك المسبق، وأن تنخرط بفعالية، دون أن تجعل من الشروط القبلية عائقًا أمام انطلاق المسار.

وفي المقابل، فإن من الضروري أن يُدرك الجميع أن الحوار ليس غاية في حد ذاته إذا تحوّل إلى ساحة للمماطلة ورفع السقوف وتعطيل المسار عبر الاشتراطات المسبقة. وهنا تبرز أهمية حزم محمد ولد الشيخ الغزواني في إدارة هذا الملف، من خلال الاستعداد لاتخاذ قرار واضح بالعدول عن تنظيم الحوار بصيغته الحالية إذا تمادى الفاعلون السياسيون، من أغلبية ومعارضة، في وضع العراقيل وإفراغ المبادرة من مضمونها. فالدولة لا يمكن أن تبقى رهينة لحسابات ضيقة أو رهانات تكتيكية، بل يتعين على الرئيس، بصفته الضامن للاستقرار، أن يأخذ زمام المبادرة ويعيد توجيه المسار نحو ما يخدم المصلحة الوطنية، سواء عبر فرض قواعد أكثر صرامة للحوار، أو الانتقال إلى بدائل عملية تضمن معالجة القضايا المطروحة دون تعطيل أو ابتزاز سياسي.

ولا يمكن، بأي حال من الأحوال، أن يظل الزمن السياسي في موريتانيا متوقفًا إلى ما لا نهاية بانتظار توافقات قد لا تأتي، أو رهينة لجولات لا تنتهي من الأخذ والرد. فالدولة لها التزامات، والاستحقاقات لا تنتظر، ومصالح المواطنين لا يمكن تعليقها على حسابات الفاعلين السياسيين. ومن ثمّ، فإن منطق التعطيل لم يعد مقبولًا، بل يتعين الانتقال من مرحلة الانتظار إلى مرحلة الحسم، ضمن رؤية واضحة توازن بين الانفتاح على الحوار وضرورة استمرار عمل الدولة دون ارتهان أو تعطيل.

 

الظرف الدولي لا يحتمل الترف السياسي:

العالم اليوم يعيش على وقع تحولات كبرى، من أزمات الطاقة والغذاء، إلى تصاعد التوترات الجيوسياسية. وفي هذا السياق، لا يمكن لبلد مثل موريتانيا أن ينشغل بصراعات داخلية أو مناوشات سياسية عقيمة. بل إن الحاجة ملحة إلى جبهة داخلية متماسكة، قادرة على التفاعل بذكاء مع المتغيرات، واستثمار الفرص، وتفادي المخاطر.

إن المناكفات السياسية، مهما بدت مغرية لبعض الأطراف، لا تخدم إلا إضعاف الدولة وإرباك مؤسساتها. والحوار الوطني، إذا ما تم بروح مسؤولة، يمكن أن يكون صمام أمان، لا فقط لتجاوز الخلافات، بل أيضًا لتعزيز موقع البلاد في محيطها الإقليمي والدولي.

 

نحو عقد سياسي جديد:

الحوار المرتقب ليس غاية في حد ذاته، بل وسيلة لبناء عقد سياسي جديد، يُعيد الثقة بين الدولة والمجتمع، ويؤسس لحياة سياسية أكثر نضجًا. وهذا لن يتحقق إلا بمشاركة الجميع، دون إقصاء، ودون شروط مسبقة، وبإرادة حقيقية للوصول إلى نتائج ملموسة.

إن نجاح هذا الحوار سيكون مكسبًا لكل الموريتانيين، وفشله – لا قدر الله – سيكون خسارة جماعية. ومن هنا، فإن المسؤولية التاريخية تقتضي من الجميع، سلطة ومعارضة، الارتقاء إلى مستوى اللحظة، وتغليب صوت الحكمة على ضجيج السياسة.

خلاصة:

موريتانيا اليوم أمام فرصة نادرة: إما أن تُحسن استثمارها عبر حوار جاد ومسؤول، أو أن تُهدرها في متاهات الخلافات العقيمة. والاختيار، في النهاية، بيد الفاعلين السياسيين. لكن الأكيد أن الشعب ينتظر، والتاريخ لا يرحم.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى