الحرب على إيران.. و«الصبر الاستراتيجى الخليجى» / بقلم : خالد عمر بن ققه
من وراء هذه الحرب الدائرة اليوم- التى فرضت على منطقتنا، وأيضا على دول العالم بنسبٍ مختلفة- تقف الأساطير المؤسسة للطرح الدينى بما فيه من مظلومية زائفة، يعمل أصحابها على التعجيل بـ« قيام الساعة»، ولأجل ذلك توظف القوة العسكرية، والأموال، والإعلام، تقابل من الطرف الآخر بموقف دينى مؤسس على وقائع تتحقق، ولا تزال كذلك، على نطاق واسع، يودّ أصحابها أن تكون لهم القوة والبأس، أو أن يكونوا قادرين على اللجوء إلى ركن شديد مثل أعدائهم على الأقل.
ساحة الحرب اليوم مليئة بالمشاركين والمساندين والداعمين للطرف الأمريكى- الصهيونى قناعة، أو لخوف من تبعات الحرب فى حال الوقوف على الحياد، أو طمعا فى مكاسب، أقلها اتقاء الشر الأمريكى- الإسرائيلى، أو
«المنعة منه إلى حين»، يقابلها ترك إيران وحيدة تواجه مصيرها نتيجة لمواقفها السابقة والراهنة بغض النظر عن الصحيح منها والخاطئ.
حال إيران الراهنة تأسّست- وتراكمت- منذ انتصار ثورتها الداخلية على الشاه، بحيث لم تتمكن من إقامة علاقة تحالف أو حتى صداقة مع دول العالم، وربما لهذا السبب عوّلت على مجموعات تمثل اليوم «ما يشبه الدولة»، ومع ذلك فهى لا تُعدُّ منعزلة بدليل أنها تتعاون مع القوى الكبرى، خاصَّة الصين وروسيا، فى عدد من المجالات.
لقد ظلَّت إيران لسنوات معادية للولايات المتحدة على مستوى الشعارات، وحالات المواجهة الحقيقية بينهما كانت قليلة، بل إن الولايات المتحدة الأمريكية أتاحت لها فرص التفوق والتحكم فى المنطقة كلها، ولولا وصول دونالد ترامب إلى الرئاسة (فى الفترتين الأولى والثانية) ودعمه المطلق لإسرائيل لبقيت العلاقة بينهما فى مدّ وجزر، لكن ما كان لها أن تصل إلى الحرب، ومع هذا هناك مَن يرى أن الحرب الدائرة هذه الأيام رغم بشاعتها وجرمها وعدم مشروعيتها، فإنها تعدُّ فعلا تكتيكيّاً بالنسبة للولايات ولإسرائيل أيضا، يحقق استراتيجيتهما الكبرى فى المنطقة والعالم.
بالنسبة للولايات المتحدة، فإنها تسْعى إلى إقصاء الصِّين «طاقويّاً» من المنطقة، مثلما فعلت معها فى فنزويلا، ضمن خُطَّتها للتَّحكم فى مصادر الطَّاقة على المستوى العالمى، إضافة إلى إضعاف إيران وجعلها تابعة لها، وتشترك فى هذا مع إسرائيل، التى تعدُّ ذلك هدفاً استراتيجيّاً يمكنها من السيطرة على المنطقة كلها، بل قيادتها، وفى السياق ذاته تدمير المنطقة كلها، خاصة دول الخليج العربى.
تدركُ الصِّين كل ذلك، مثلما تعلم دول الخليج الأهداف الأمريكية والإسرائيلية من هذه الحرب، وتتوقع تداعياتها المستقبلية، لذلك تتفادى العمل على اتساعها رغم التكلفة الباهظة للاعتداءات المتكررة من إيران عليها.
دول الخليج العربى- وهى قلب الأمة وماضيها وحاضرها ومستقبلها الزمانى والمكانى- تعمل اليوم بوعى على تجنّب تكاليف التاريخ على حساب ضرورات الجغرافيا والجوار، ولها تجارب سابقة عاشتها فى حرب الولايات المتحدة والدول المتحالفة معها على العراق.
موقف دول الخليج العربى فى الأيام الستة الأولى لجهة الاكتفاء بالدفاع عن أراضيها وسيادتها يكشف عن نوع من «الصّبر الاستراتيجى»، وبذلك تُفوِّت الفرصة على أولئك الذين يسعون إلى توسيع دائرة الحرب، ودفع دول الخليج نحو أزمة اقتصادية قد تطول لسنوات، بدايتها من القضاء على بنيتها التحتية، وهو هدف ترغب وتعمل عدة أطراف جاهدة على تحقيقه، بما فيها تلك التى تدَّعى التحالف أو الصداقة معها.
نقلا عن : المصري اليوم





