الأخبارفضاء الرأي

المهندس احمد ولد اعمر يكتب : عدالة الإعلام في قفص الاتهام

المهندس احمد ولد اعمر

لا يُعدّ الإعلام العمومي في دولة راشدة مجرد منبرٍ لنقل الأحداث، بل هو مؤسسةٌ سيادية تتقاطع فيها السياسة والهوية والذاكرة الجماعية، وفضاءٌ تُعلن من خلاله الدولة ضمنيًا عن رؤيتها للانتماء الوطني: من يُعدّ فاعلًا في المشهد ومن يُختزل في دور المتفرج. ولهذا فإن إشكالية التوازن التمثيلي في الإعلام العمومي تتجاوز النقاش الإجرائي حول توزيع أوقات البث، لتصبح نقاشًا فلسفيًا وأخلاقيًا وقانونيًا حول جوهر العقد الاجتماعي بين الدولة ومواطنيها.

لكن المسلّمة التي يُتجاوز عنها كثيرًا هي أن الإعلام الممول من المال العام ليس ملكًا للحكومة بل ملكٌ للمجتمع بأسره،
وأن حق المواطن في التمثيل والحضور ليس منحةً تمنحها السلطة بل حقٌ دستوري لا يقبل المقايضة.
وقد أرسى المنظّر الألماني يورغن هابرماس أن الإعلام لا يؤدي دوره المدني الحقيقي إلا حين يكون ساحةً للنقاش العقلاني الحر بين المواطنين المتساوين، فإن انتفت هذه الشروط تحوّل من أداة لبناء الوعي الجمعي إلى آلة لإعادة توزيع الشرعية لصالح الأقوى
وما يُلاحَظ في كثير من تجارب الإعلام العمومي هو اختلالٌ بنيوي لا ظرفي، تُفرزه منظومة مترابطة من الهياكل والثقافات المؤسسية التي تُعيد إنتاج الهيمنة على نحو صامت.
يتجلى ذلك سياسيًا في منح بعض الأطياف حضورًا دائمًا بينما تُحجب أطرافٌ أخرى أو تُقدَّم بأسلوب ينتقص من شرعيتها، وجغرافيًا في غياب مناطق بأكملها عن الشاشة إلا حين تضربها كارثة أو يزورها مسؤول.
والأخطر أن هذا النمط يشتغل بهيمنة “ناعمة” تمارس ما أسماه ستيوارت هول “تغريب الآخر” عبر التهميش المُبطّن الذي لا يُعترف به رسميًا، وتُثبت نظرية “الغرس الثقافي” لجورج غيربنر أنه يُعيد تشكيل القيم والتصورات ويحفر خندقًا عميقًا بين المواطن ووطنه.
إن أي إصلاح حقيقي لا يكتفي بتبديل الوجوه أو إعادة توزيع الحصص، بل هو مشروع إعادة تعريف لفلسفة الإعلام ذاته: هل هو فضاء تعبّر فيه الدولة عن نفسها أم فضاء تعبّر فيه المجتمعات عن تنوعها؟
هل مهمته بناء صورة السلطة أم صون التماسك الوطني؟ ويستلزم ذلك استقلاليةً رقابية فعلية لا شكلية، ومعايير موضوعية في رصد التمثيل، وإشراكا حقيقيًا للمجتمع المدني في متابعة الأداء. فالدولة التي يُسمَع فيها كل صوت وتُرى فيها كل منطقة تبني ولاءً أصيلًا، ويبقى السؤال مفتوحًا: كيف يحق لإعلام يحمل صفة “العمومي” أن يدّعي الشرعية الأخلاقية وهو يجعل من المواطنة درجاتٍ تتفاوت بحسب القرب من المركز لا بحسب الانتماء إلى الوطن؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى