الأخبارفضاء الرأي

أزمة نائبي “إيرا”..حدود الصلاحيات واحترام القانون بين البرلمان والحرس الوطني “تحليل “/ أحمد ولدالدوه

احمدولد الدوه/ مدير التحرير في مجموعة الصدى للاعلام

تحولت قضية النائبين عن حركة “إيرا”، قامو عاشور ومريم بنت الشيخ، من خلاف يتعلق بتنفيذ عقوبة تأديبية داخل البرلمان، إلى محطة سياسية وقانونية أثارت نقاشًا واسعًا حول حدود صلاحيات المؤسسات، وآليات تنفيذ القرارات، والعلاقة بين السلطة التشريعية والأجهزة الأمنية.

فقد بدأت الأزمة تأخذ منحى مختلفًا بعد التصريحات التي نُسبت إلى رئيس البرلمان، محمد بمب ولد مكت، والتي أكد فيها أنه لم يصدر أي أوامر بمنع النائبين من دخول البرلمان، باعتبار أنهما ما زالا يتمتعان بصفتهما البرلمانية.

وقد اعتبر كثيرون أن هذا التصريح أثار تساؤلات حول الكيفية التي أُديرت بها الأزمة، خاصة بعد الأحداث التي شهدها مبنى البرلمان لاحقًا.

وتصاعدت وتيرة الأحداث عندما دخل النائبان إلى مبنى البرلمان على متن سيارة النائب و السياسي بيرام الداه اعبيد، قبل أن يعتصما داخل المبنى، في مشهد غير مألوف داخل المؤسسة التشريعية.

وبعد ذلك، سعت إدارة البرلمان إلى إخراجهما، في إطار تنفيذ قرار تأديبي يقضي بمنعهما من دخول البرلمان لمدة عشرين يومًا.

غير أن التطور الأبرز تمثل في موقف قيادة الحرس الوطني، التي رفضت التدخل بناءً على طلب شفهي، واشترطت تلقي مراسلة رسمية صادرة عن إدارة البرلمان وموجهة إلى قيادة الحرس الوطني قبل تنفيذ أي إجراء. وقد عُدّ هذا الموقف، في نظر العديد من المتابعين، تجسيدًا لاحترام الإجراءات القانونية والإدارية، وحرصًا على ألا تتحول المؤسسة الأمنية إلى طرف في تجاذب سياسي أو دستوري.

وتكشف هذه الواقعة أهمية الفصل بين القرار السياسي وآليات تنفيذه. فحتى عندما يكون القرار صادرًا عن جهة مختصة، فإن تنفيذه يظل خاضعًا للمساطر القانونية التي تضمن سلامة الإجراءات وتحمي مختلف الأطراف من أي تجاوز قد يثير إشكالات قانونية أو دستورية لاحقًا.

كما تعيد الأزمة طرح أسئلة تتعلق بطبيعة الحصانة البرلمانية وحدود الإجراءات التأديبية داخل البرلمان، ومدى تأثيرها على ممارسة النائب لمهامه، إضافة إلى ضرورة وضوح الاختصاصات بين رئاسة البرلمان وإدارته التنفيذية، بما يمنع تضارب الرسائل الصادرة عن المؤسسة.

وفي المقابل، أظهرت الأحداث أن المؤسسات الأمنية، عندما تلتزم بحرفية القانون وترفض تجاوز الإجراءات، فإنها تعزز صورة الدولة القائمة على سيادة القانون، وتؤكد أن تنفيذ القرارات لا يتم إلا عبر القنوات الرسمية، بعيدًا عن الارتجال أو الضغوط السياسية.

لقد تجاوزت قضية النائبين إطارها الفردي، لتصبح اختبارًا عمليًا لمدى التزام المؤسسات باحترام الاختصاصات والإجراءات. فالدول تُبنى بقوة مؤسساتها، وهذه القوة لا تتحقق بكثرة القرارات، وإنما بسلامة تنفيذها، واحترام القانون باعتباره المرجعية العليا التي يخضع لها الجميع دون استثناء.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى