“حين تتحول السياسة إلى معركة، يخسر الجميع
وحين تتحول إلى مشروع لبناء الإنسان والدولة، يربح الوطن.”
ارتبطت السياسة، في أذهان كثيرين، بالصراع والمنافسة الحادة وتبادل الاتهامات، حتى أصبح النجاح السياسي عند البعض يقاس بقدرته على إضعاف خصومه، لا بقدرته على خدمة وطنه.
غير أن السياسة، في معناها الأصيل، ليست ساحة للصراع بقدر ما هي فن إدارة الاختلاف من أجل تحقيق المصلحة العامة؛ فهي لا تُقاس بعدد المعارك التي يخوضها السياسي، وإنما بعدد الجسور التي يبنيها، والحلول التي يقدمها، والآمال التي يزرعها في نفوس المواطنين.
فالدول لا تنهض بالخصومات الدائمة، وإنما تنهض عندما تتحول السياسة إلى أداة للإصلاح، وإلى مساحة للحوار، وإلى وسيلة لتجميع الطاقات الوطنية حول مشروع مشترك.
إن الوطن أكبر من أي حزب، وأوسع من أي تيار، وأبقى من أي خلاف سياسي ؛ ولذلك فإن نجاح أي تجربة وطنية لا يتحقق بإقصاء المختلف، وإنما بإيجاد المساحات التي يلتقي فيها الجميع حول الثوابت الوطنية والمصالح العليا.
وهنا يصبح السياسي الحقيقي هو من يسأل نفسه كل يوم: ماذا أستطيع أن أضيف لوطني؟ لا: كيف أنتصر على خصومي؟
فالسياسة التي تبحث عن الانتصار اللحظي قد تكسب جولة، لكنها قد تخسر المستقبل ،أما السياسة التي تستثمر في الإنسان، وتعزز الثقة، وتحترم المؤسسات، وتغلب لغة الحوار، فهي التي تصنع الأوطان المستقرة والقادرة على التقدم.
وليس معنى ذلك أن السياسة تخلو من التنافس، فالتنافس سنة في الحياة الديمقراطية، لكنه ينبغي أن يكون تنافسًا في جودة الأفكار، وكفاءة البرامج، وصدق الالتزام بخدمة المواطن، لا في تعميق الانقسام أو تأجيج الخصومات.
إن المجتمعات التي ترتقي بخطابها السياسي، ترتقي معها مؤسساتها، ويزداد وعي مواطنيها، وتصبح الخلافات مصدرًا لإثراء النقاش لا سببًا لتمزيق النسيج الوطني.
وموريتانيا اليوم، وهي تمضي في مسارها التنموي، تحتاج إلى خطاب سياسي يزرع الثقة بدل الشك، ويعزز الأمل بدل الإحباط، ويرى في الحوار وسيلة للبناء لا علامة على الضعف.
إن مستقبل الأوطان لا تصنعه الشعارات وحدها، بل تصنعه السياسات الرشيدة، والإرادة الصادقة، والنخب التي تدرك أن مسؤوليتها الأولى هي خدمة الوطن قبل كل اعتبار.
“وحين ترتقي السياسة بأخلاقها ورسالتها، تتحول من صراع على السلطة إلى شراكة في صناعة المستقبل.”





