الأخبارقضايا المجتمعمقالات و تحليلات

ردًّا على الملتمس الموقع من طرف بعض الأطر والشخصيات الوطنية الناشطة في المجالين السياسي والحقوقي / المين المختار

المين المختار / رئيس تيار تحول مجتمعي هادئ

النقطة  الأكثر حساسية في هذا الملتمس، فهي الدعوة إلى إعادة كتابة الدستور الموريتاني بما يتضمن الإشارة إلى مختلف الفئات الاجتماعية باعتبارها مكونات مستقلة. وأرى أن هذا المقترح ينطوي على مخاطر حقيقية، سواء على مكون لحراطين نفسه أو على الدولة الموريتانية.

اطلعت على الملتمس الذي تقدمت به مجموعة من السياسيين والحقوقيين الوطنيين، ينتمي معظمهم إلى مكون لحراطين، وينحدرون من مشارب فكرية وسياسية مختلفة. فمنهم من واكب تطور ما يعرف بقضية لحراطين أو الأرقاء السابقين منذ العقود الأولى لاستقلال موريتانيا، ومنهم من انخرط في الاهتمام بهذا الملف في مراحل لاحقة. وانطلاقًا من مسؤوليتي الوطنية، رأيت أن أبدي وجهة نظري حول ما ورد في هذا الملتمس من تشخيص وتوصيات.

لقد تناول أصحاب الملتمس بإسهاب ما يعتبرونه معاناة يعيشها مكون لحراطين، وأسباب تلك المعاناة وتجلياتها. ولم يخرجوا في ذلك عن المقاربة التي دأبت عليها الهيئات والمنظمات التي ينتمون إليها عند تناول هذا الملف. والحقيقة أن توصيف أوضاع الهشاشة التي يعاني منها كثير من أبناء هذا المكون يحظى بتفهم واسع لدى المهتمين بالشأن الوطني، من مختلف مكونات المجتمع، كما أن الدولة نفسها، وعلى لسان فخامة رئيس الجمهورية، عبرت في أكثر من مناسبة عن انشغالها بهذه الأوضاع، شأنها شأن معاناة كل مواطن موريتاني يعيش ظروفًا اجتماعية أو اقتصادية صعبة، سواء كانت مرتبطة بالإرث الاجتماعي أو بتحديات التنمية التي تواجهها الدول النامية.

كما تتفق أغلب النخب الوطنية على ضرورة مضاعفة جهود الدولة لتمكين هذا المكون من تجاوز أوضاع الهشاشة وتحقيق اندماج اقتصادي واجتماعي أوسع.

ومنذ الاستقلال، سعت الدولة الموريتانية إلى وضع الأسس الكفيلة بالنهوض بجميع مكونات المجتمع، غير أن الظروف الاقتصادية وضعف الموارد، إضافة إلى تحديات الحكامة وتقلبات المناخ والأزمات العالمية، حالت دون بلوغ الأهداف المنشودة بالسرعة المطلوبة. ومع ذلك، فقد تحققت خطوات مهمة أسهمت في تهيئة أرضية يمكن البناء عليها للقضاء على مظاهر التخلف، متى توافرت الإرادة السياسية واستكملت النخب الوطنية دورها في مواكبة جهود الدولة.

ومن الطبيعي أن توجد فوارق في مستويات التنمية بين مختلف الفئات الاجتماعية نتيجة تراكمات تاريخية واجتماعية، إلا أن ذلك لا ينبغي أن يكون مبررًا للقبول باستمرارها، لما قد يترتب عليها من آثار سلبية على تماسك المجتمع ووحدته الوطنية. وانطلاقًا من هذا الإدراك، وجه فخامة رئيس الجمهورية الجزء الأكبر من موارد الدولة نحو القطاعات الاجتماعية، وعملت الحكومة على تطوير برامج متعددة تستهدف الفئات الهشة، إلى جانب سن تشريعات جديدة، وإطلاق منصات لمحاربة الفساد، وتقريب الخدمات العمومية من المواطنين، وتعزيز فرص التنمية.

وتضمن الملتمس عددًا من المقترحات التي يرى أصحابها أنها تمثل السبيل الأمثل لمعالجة أوضاع لحراطين، كما وجهوا اتهامات للنظام باتباع سياسات تمييزية ضد هذا المكون. وفي تقديري، فإن اتهام الدولة بانتهاج سياسة ممنهجة ضد لحراطين لا يستند إلى ما يكفي من الموضوعية، وإن كان من المشروع تسجيل وجود اختلالات في تطبيق مبدأ تكافؤ الفرص، وهي اختلالات لا تقتصر على مكون بعينه، بل تعاني منها قطاعات واسعة من المجتمع، ويعود جزء كبير منها إلى ضعف التزام بعض المسؤولين بتطبيق توجيهات فخامة رئيس الجمهورية المتعلقة بمحاربة الغبن والزبونية وترسيخ العدالة والإنصاف.

أما النقطة التي أراها الأكثر حساسية في هذا الملتمس، فهي الدعوة إلى إعادة كتابة الدستور الموريتاني بما يتضمن الإشارة إلى مختلف الفئات الاجتماعية باعتبارها مكونات مستقلة. وأرى أن هذا المقترح ينطوي على مخاطر حقيقية، سواء على مكون لحراطين نفسه أو على الدولة الموريتانية.

ففي أغلب الدساتير الحديثة للدول متعددة الأعراق والثقافات، يتم التأكيد على وحدة الشعب مع الاعتراف بتنوعه الثقافي واللغوي، دون تحويل الفئات الاجتماعية إلى كيانات دستورية مستقلة. وحتى إذا كان الهدف من هذا المقترح هو توفير ضمانات إضافية لحقوق لحراطين، فإنني أعتقد أن نتائجه قد تكون عكسية.

فبدل أن تبقى هذه القضية قضية وطنية جامعة، يتبناها جميع الموريتانيين، وخاصة المحيط الثقافي والاجتماعي الذي ينتمي إليه لحراطين، وهو المكون العربي البيظاني، فإن تكريسها دستوريًا باعتبارها قضية مكون مستقل قد يدفع بعض الأطراف إلى الاصطفاف على أسس فئوية، ويضعف حالة التضامن الوطني الواسع التي حظيت بها هذه القضية لدى قطاعات كبيرة من النخب الوطنية، وهو ما قد ينعكس سلبًا على وتيرة الاندماج الاجتماعي، وعلى فرص تحقيق العدالة المنشودة في إطار الوحدة الوطنية.

إن معالجة الاختلالات الاجتماعية تظل مسؤولية وطنية مشتركة، تتطلب تعزيز دولة القانون، وترسيخ مبدأ تكافؤ الفرص، وتطوير السياسات الاجتماعية، مع المحافظة في الوقت نفسه على وحدة المجتمع الموريتاني وتماسكه، باعتبارهما الإطار الأنجع لضمان حقوق جميع المواطنين دون استثناء.

المصدر : الكاتب/

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى