الأخبارمقالات و تحليلات

خالد العوامي يكتب : 70 عاما من الانكسار ..كيف وصلت الأمة إلى هذه اللحظة ؟

علي الشرفاء الحمادي يتحدث من الجذور عن التاريخ العربي المهلهل .. " من حلم الوحدة الي مشروع الإنقاذ العربي "

علي الشرفاء الحمادي يتحدث من الجذور عن التاريخ العربي المهلهل .. ” من حلم الوحدة الي مشروع الإنقاذ العربي “

 

الأزمات الكبرى للأمم لا تولد فجأة .. وإنما تنمو بصمت داخل تراكمات التاريخ .. ثم .. ثم تتحول مع مر الزمن إلى كارثة يصعب تجاوز تأثيراتها .. لتصبح بعد ذلك معضلة تغرق فيها الدول والشعوب .. واحسب ان هذا حالنا وحال امتنا الغاطسة في رمال متحركة من الخراب والدمار .

 و .. و في محاولة لإعادة تفكيك أكثر من 70 عاماّ من التاريخ العربي المهلهل .. يطرق علي الشرفاء الحمادي علي الحديد الساخن .. ثم .. ثم يكتب كتابه : ” بقيادة جمهورية مصر العربية .. معركة الأمة العربية .. من حلم الوحدة الي مشروع الإنقاذ العربي ” .. ليجيب فيه عن تساؤل حائر ظل يطارد المنطقة منذ عقود سقط فيها مشروع الوحدة العربية : كيف وصلت الأمة إلى هذه اللحظة ؟ .. وهل لا يزال هناك طريق للإنقاذ ؟

 

علي الشرفاء هنا يتحدث من الجذور .. ولا يضع بين أيدينا كتاب جديد عن السياسة .. ولا يسرد وقائع التاريخ العربي كما تروي في المراجع .. إنما يفتح نافذة واسعة على سؤال ظل معلق فوق سماء المنطقة لعقود طويلة : كيف تحول حلم النهضة إلى جغرافيا من الأزمات؟ .. وكيف يمكن أن يولد الأمل من بين أنقاض الانقسامات ؟

ولهذا فإن القيمة الحقيقية لهذا العمل لا تكمن في استعراضه لمحطات التاريخ العربي .. وإنما في محاولته اكتشاف الخيط الخفي الذي يصل بين الأمس واليوم .. بين القرار والنتيجة .. و .. و بين الحلم والانكسار .

هذا الكتاب منذ صفحته الأولى .. يبحث عن أمة تريد اعادة اكتشاف نفسها .. يرفض فيه علي الشرفاء الوقوف عند سطح الوقائع .. ثم .. ثم يغوص إلى الطبقات العميقة التي لا تراها العين لأول وهلة .. فهو لا يري ان الهزائم العسكرية مجرد خسارة في ميدان .. ولكنها انعكاس لاختلالات أعمق في الفكر والإدارة والرؤية .. ولا تتحول الأزمات السياسية إلى مجرد أحداث .. لكنها إشارات تكشف ما أصاب المشروع العربي من تصدعات تراكمت بصمت حتى أصبحت واقع يصعب تجاهله .

وهنا تبرز براعة سطور الكتاب .. لا يكتب فيه علي الشرفاء التاريخ بعين المؤرخ الذي يحصي التواريخ .. ولا بعاطفة السياسي الذي يدافع عن مرحلة أو يهاجم أخرى .. وإنما بعقل الباحث الذي يدرك أن الأمم لا تتعثر في لحظة .. بل تصل إلى مفترق الطرق بعد سلسلة طويلة من الخيارات المتراكمة .

ومن بين أكثر الأفكار حضورًا في الكتاب .. تلك التي ترى أن الأزمة العربية ليست أزمة إمكانات .. إنما أزمة إدارة للإمكانات .. فالمنطقة التي تمتلك الثروة .. والموقع .. والإنسان .. والتاريخ والجغرافيا .. لا ينقصها الوقود .. وإنما تحتاج إلى بوصلة .. وعقل رشيد .

وهنا ينجح علي الشرفاء في نقل النقاش من سؤال : ماذا نملك؟ .. إلى سؤال أكثر عمقًا إلا وهو : كيف نفكر فيما نملك ؟ .. واحسب إنه انتقال بالغ الأهمية .. لأن الحضارات لا تقاس بما تختزنه خزائنها .. وإنما بما تنتجه عقولها .. ولا تُبنى بكثرة الموارد وإنما بحسن توظيفها .

ومن أجمل ما يميز هذا العمل أنه يحرر مفهوم الأمن القومي من سجنه التقليدي .. فالأمن في رؤيته لم يعد دبابة على الحدود .. ولا سرب من الطائرات في السماء .. إنما هو اقتصاد قادر على الصمود .. وإعلام يملك روايته .. وتعليم يصنع الإنسان .. وثقافة تحمي الهوية .. وقرآن يحافظ علي اصل الدين وسلامته .. ثم .. ثم مؤسسات تمتلك مناعة تمنع الدولة من الانهيار قبل أن تمنع حدودها من الاختراق .

إنها قراءة تنتمي إلى القرن الحادي والعشرين .. حيث أصبحت الحروب تدار عبر الشاشات كما تدار في الميادين ..وتحسم بالعقول قبل أن تحسم بالسلاح .. ومن هنا يكتسب حديثه عن مصر بعدًا يتجاوز حدود الجغرافيا.

إذ لا يتناول الشرفاء الحمادي الدولة المصرية بوصفها رقم في المعادلة العربية، .. ولكن باعتبارها نقطة ارتكاز تاريخية واستراتيجية .. هنا يرى الشرفا أن قوة محيط مصر مرتبط بقوتها .. وأن استقرارها ينعكس على الإقليم بأسره .. وهنا يبني علي الشرفاء رؤيته على قراءة تاريخية وسياسية متكاملة .. تجعل من مصر محور داخل مشروع عربي أوسع .. لا غاية مستقلة عنه.

لكن أكثر ما يمنح هذا الكتاب تميزه أنه لا يغرق في جلد الذات .. فبعد رحلة طويلة داخل خرائط الإخفاق .. يرفض أن يترك القارئ أسير الماضي .. إنما ينتقل به إلى مساحة أكثر إشراقاّ .. مساحة الإمكان .

فهو يؤمن بأن التاريخ ليس قيدًا وإنما معلم .. وأن التجارب مهما كانت قاسية .. لا تتحول إلى عبء إلا إذا عجزت الأمم عن استخلاص حكمتها .. ولذلك لا يكتفي بطرح الأمنيات .. لكنه يحاول تحويلها إلى مشروع .. مشروع يقوم على تكامل اقتصادي .. وتنسيق سياسي .. ومؤسسات عربية أكثر قدرة على صناعة القرار .. ورؤية استراتيجية تجعل التعاون ضرورة وجودية لا ترف دبلوماسي .

إن الرسالة التي تتردد بين سطور الكتاب ليست دعوة إلى استعادة الماضي إنما إلى صناعة المستقبل .. وعلي الشرفاء هنا لا يدعو إلى إحياء ذاكرة الوحدة بقدر ما يدعو إلى بناء عقل الوحدة .. ولا يطالب بإعادة إنتاج التجارب القديمة .. إنما بإنتاج أدوات جديدة تستجيب لعالم تغيرت فيه خرائط النفوذ .. وتبدلت فيه قواعد القوة .. وأصبحت المعرفة فيه أثمن من النفط .. والإرادة السياسية أكثر تأثير من كثرة الشعارات .

وربما هنا تكمن الجملة التي يمكن أن تختصر روح هذا الكتاب بأكمله: ” إن الأمم لا تسقط حين تخسر معركة .. وإنما حين تفقد قدرتها على تخيل مستقبل مختلف ” .. ولهذا، فإن هذا العمل لا يقدم نفسه باعتباره رواية للماضي .. ولكن باعتباره دعوة مفتوحة إلى إعادة التفكير في المستقبل .. إنه كتاب يراهن على الوعي قبل السياسة .. وعلى الإنسان قبل المؤسسة .. وعلى الفكرة قبل القرار.

وسواء اتفق البعض مع جميع أطروحاته .. أو ناقش بعضها .. فإن قيمة الكتاب الحقيقية تكمن في أنه يعيد إحياء سؤال كاد يغيب عن المشهد العربي : هل ما زلنا نمتلك مشروعاّ للمستقبل .. أم أننا اكتفينا بإدارة الأزمات ؟

وهذا في تقديري .. هو جوهر هذا الكتاب .. ليس لأنه يمنح القارئ كل الإجابات .. ولكن لأنه يوقظ فيه الرغبة في البحث .. ويذكره بأن الأمم التي تمتلك شجاعة مراجعة تاريخها .. هي وحدها القادرة على كتابة فصول جديدة من تاريخها ومستقبلها .. اللهم إني قد بلغت اللهم فاشهد .

المصدر 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى