الأخبارمقالات و تحليلات

محمد دبدب.. أسطورة الحركة الطلابية العراقية وهندسة الوجدان الوطني/ بقلم : ا.د كريم فرمان

ا.د كريم فرمان / كاتب عراقي اكاديمي واستاذ القانون والنظم السياسية في جامعة الأخوين.افران المغرب.سابقا

ثمة رجال يمرون في تاريخ الأوطان كالعابرين، وثمة قادة يُحفرون في ذاكرة الأجيال كرموز عصية على النسيان. وفي تاريخ الحركة الطلابية والوطنية العراقية، يقف الأستاذ محمد دبدب (أبو علي) كأحد أبرز هؤلاء القادة الذين تجاوزوا العمل التنظيمي التقليدي، ليصبحوا ظاهرة نضالية وإنسانية فريدة، ومدرسة في الكاريزما السياسية والقدرة الهائلة على احتواء الآخرين بلطف واهتمام، ومد الجسور مع الجميع منطلقاً من أفق فكري واسع وعقل سياسي راجح.

 

 زعيم بمقاسات أمة: من معسكرات العمل إلى المحافل الدولية

لم يكن “أبو علي” مجرد مسؤول طلابي، بل كان قائداً ميدانياً يمتلك قدرة استثنائية على الإدارة والخطابة وتجاوز البروتوكولات. ففي منتصف السبعينيات وأوائل الثمانينيات من القرن المنصرم، تجسدت عفوية هذا الرجل وبساطته في قيادته لمعسكرات العمل الشعبي الطلابي خلال العطل الصيفية، والتي كانت تهدف لبناء قرى فلاحية تجمع الأشقاء العرب من مصر والمغرب في تلاحم قومي ملموس.

 

في تلك المعسكرات، كان محمد دبدب ينهض مع خيوط الفجر الأولى، ليكون في استقبال أعلى هرم السلطة؛ رئيس الجمهورية أحمد حسن البكر ونائبه صدام حسين عند بوابة المعسكر. وبثقة القائد الواثق من مبادئه، كان يخطب مرحباً، ثم يعرض بذكاء ونباهة النواقص والاحتياجات اللوجستية لدعم الشباب. وبعد أسابيع قليلة من هذا العمل الميداني البسيط، تجده ينتقل بسلاسة ليقود حواراً وطنياً رفيع المستوى مع الحزب الشيوعي العراقي والأحزاب الكردستانية ممثلاً عن حزب البعث، ثم يطير بعدها بأيام ليشارك في مؤتمر طلابي عالمي في براغ. هذا التنوع المذهل بين القيادة الميدانية، والمحاورة السياسية الوطنية، والتمثيل الدولي، صاغ منه زعيماً طلابياً بمواصفات ومقاسات لم تجدِ الأيام بمثلها كثيراً.

 

الذاكرة الحديدية والروح الإنسانية النابضة

امتلك الأستاذ محمد دبدب “ذاكرة حديدية” قادرة على حفظ تفاصيل الحوادث والتكليفات والأسماء بدقة متناهية حتى لو مر عليها ربع قرن. لكن هذه الذاكرة لم تكن مخزناً للمعلومات الجافة، بل كانت بوصلة للوفاء الإنساني.

الأستاذ محمد دبدب (أبو علي)

وتتجلى روح هذا الإنسان الكبير في مواقف ومحطات تنبض بالنبل؛ ففي إحدى الأماسي بمحافظة الأنبار، وخلال وليمة عشاء حضرها المحافظ قاسم يحيى وأمين سر فرع الحزب، دخلت سيدة عجوز في الثمانين من عمرها، واستنجدت به بلهفة قائلة: “يا دبدب أنا بوجهك.. أنا مريضة وولدي يدرس الهندسة في رومانيا على نفقته الخاصة ولم يعد لدينا ما ننفقه عليه”. تسلم أوراق ولدها “مجحم”، وفي غضون أسبوع واحد تم تحويله إلى بعثة على نفقة الدولة. وبعد خمس سنوات، عاد الشاب متخرجاً حاملاً شهادة الهندسة، وجاء ليرد الجميل ويشكر الأستاذ دبدب، فما كان من “أبو علي” إلا أن بادره بالسؤال قبل أي شيء: “طمني أولاً عن صحة الوالدة.. وهل تحتاج إلى مساعدة؟”.

 

وفي موقف آخر يعكس سعة صدره وقدرته الاستيعابية العجيبة، استوقفته سيدة تشكو عدم قبول ابنتها في معهد المعلمات، وبدأت تهاجمه بلهجة عراقية قاسية غاضبة. وأمام ذهول الحاضرين، لم يغضب القائد أو يتكبر، بل انحنى بكل تواضع وقبّل رأس السيدة المستشيطة غضباً، واستسمحها عن أي تقصير، ثم أوعز فوراً بإتمام طلبها وتلبية حاجتها.

 

 ثبات المبادئ في زمن التحولات

إن عظمة محمد دبدب تكمن في أنه بقي ذاك الإنسان المثقف، المخلص للمبادئ التي آمن بها ونذر حياته من أجلها. فرغم تبدل اتجاهات الرياح السياسية، وتغير الظروف، وتبدل الأقوام والوجوه من حوله، ظل “أبو علي” طوداً شامخاً متمسكاً بقيمه، كبيراً في تعامله، قريباً من وجدان الناس وهمومهم.

 

حقاً، لم تنجب الحركة الطلابية العراقية زعيماً بمثل نقائه، وبساطته، وعمق عقله السياسي. تحية إكبار واعتزاز للأستاذ، والمعلم، والقائد الذي لا ينسى.. محمد دبدب، الذي سيبقى اسماً محفوراً بمداد من نور في سفر النضال الإنساني والوطني.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى