الأخبارتحقيقاتمقالات و تحليلات

مقترح لنموذج قضائي عقاري موريتاني تصفية الموروث وبناء المستقبل / د محمد الأمين شريف أحمد.

د محمد الأمين شريف أحمد.

في موريتانيا، قد تبدأ قصة النزاع العقاري بوثيقة، وتتسع بسبب حدود غير دقيقة، وتتداخل فيها الحيازة والملكية والوثائق والأعراف، ثم تنتهي بعد سنوات أمام المحاكم؛ وقد يخرج منها حكم، لكن دون أن يكون ذلك كافيا دائما لإغلاق باب النزاع إلى الأبد.

وهنا تكمن المشكلة الحقيقية: أزمة العقار ليست في كثرة القضايا وحدها، وإنما في غياب منظومة قادرة على منع النزاع قبل وقوعه، وحسمه عندما يقع، وتحصين العقار بعد حسمه من أن يصبح موضوع نزاع جديد.

والأخطر أن استمرار هذا الوضع لا يستهلك وقت المحاكم والمتقاضين فقط؛ بل يضعف الثقة في الملكية، ويعطل الاستثمار، ويحول الأرض من أصل منتج للثروة إلى مصدر دائم للخصومة.

لقد أدركت دول عديدة أن العقار يحتاج إلى معالجة مختلفة، فاختارت تونس القضاء العقاري المتخصص، وطورت المغرب التخصص العقاري داخل منظومتها القضائية، وذهبت رواندا أبعد من ذلك بربط تسوية النزاعات بإدارة الأرض وآليات المصالحة.

لكن موريتانيا لا تحتاج إلى استيراد نموذج جاهز؛ فهي أمام وضع عقاري واجتماعي وإداري خاص، يحتاج إلى حل موريتاني يجمع بين قوة الإدارة، وتخصص القضاء، ودقة المسح، وفاعلية المصالحة الاجتماعية، وسلطة السجل العقاري.

ومن هنا يأتي المقترح: منظومة وطنية للقضاء والمصالحة العقارية، لا تكتفي بإطفاء حرائق النزاعات، بل تعيد بناء الطريق الذي يحول دون اندلاعها أصلا.

 

منظومة عقارية لا محكمة منفردة:

المقترح هو إنشاء منظومة وطنية للقضاء والمصالحة العقارية تقوم على ثلاثة أضلاع متكاملة:
الإدارة العقارية للمصالحة والتسوية الأولية، والقضاء المتخصص للفصل، والسجل العقاري الرقمي لتثبيت النتيجة ومنع عودة النزاع.

 

أولا :  مصلحة المصالحة العقارية داخل الإدارة

بدلا من إنشاء لجان مصالحة مستقلة، تُنشأ مصلحة للمصالحة العقارية و فض النزاعات في كل إدارة عقارية مقاطعية، باعتبارها جزءا من الهيكلة الإدارية للإدارة العامة للعقارات و أملاك الدولة.
وهذا الخيار يحقق عدة مزايا في وقت واحد:

• الاستفادة من الموظفين والخبرات الموجودة أصلا في الإدارة؛

• الاطلاع المباشر على الوثائق والخرائط والملفات العقارية؛

• تقليل كلفة الإصلاح؛

• تقريب المصالحة من المواطن؛

• منع إحالة النزاعات القابلة للتسوية إلى المحاكم دون ضرورة.

وتتولى المصلحة دراسة النزاع، والتحقق الأولي من الوثائق والحدود، واستدعاء الأطراف، واقتراح التسوية، وتحرير محضر صلح يصبح قابلا للتنفيذ والتسجيل وفقا للقانون.

ولها، بحسب طبيعة النزاع، أن تستعين بـمصلحين اجتماعيين من الأئمة، والقضاة المتقاعدين، والوجهاء والشخصيات الوطنية والمحلية ذات المكانة والقبول، شريطة أن تكون الاستعانة بهم في إطار قانوني واضح، وأن يبقى القرار العقاري النهائي خاضعا للقانون والجهة المختصة.

وهكذا تستفيد الدولة من الرصيد الاجتماعي للمجتمع الموريتاني دون تحويل المصالحة إلى قضاء عرفي موازٍ.

 

ثانيا / النموذج القضائي المقترح:

إذا تعذرت تسوية النزاع ودياً، فلا بد أن يجد المتنازعون قضاءً عقارياً متخصصاً، قادراً على فهم الطبيعة القانونية والفنية المعقدة للمنازعات العقارية. ومن هنا يقترح هذا النموذج الانتقال من القضاء العام إلى مسار قضائي عقاري متكامل، يجمع التخصص القضائي بالخبرة الفنية، ويضمن مراجعة الأحكام عبر درجات تقاضٍ متخصصة.

 

1- الغرفة العقارية المتخصصة

إذا فشلت المصالحة، ينتقل الملف إلى غرفة عقارية متخصصة داخل المحكمة المختصة.

ولا تكون الحاجة، في المرحلة الأولى، إلى إنشاء محاكم عقارية مستقلة في جميع أنحاء البلاد، بل إلى تخصيص غرف عقارية داخل المحاكم ذات الحجم الأكبر من النزاعات.

وتختص هذه الغرف بالمنازعات المتعلقة بالملكية والحيازة والحدود والوثائق العقارية والتسجيل والقسمة والبيع والرهن وغيرها من المنازعات التي يحددها القانون.

والهدف ليس فقط سرعة الفصل، وإنما تكوين قضاء يمتلك معرفة تراكمية متخصصة في العقار.

 

2- قطب فني عقاري تابع للمنظومة القضائية

أخطر ما في النزاع العقاري أن القاضي قد يجد نفسه أمام نزاع قانوني ظاهره بسيط، بينما حقيقته خلاف حول موقع الأرض أو حدودها أو مساحتها أو إحداثياتها.

لذلك تقترح المنظومة إنشاء قطب فني عقاري يضم المساحين والطبوغرافيين وخبراء الخرائط ونظم المعلومات الجغرافية والتقييم العقاري.

وبذلك لا يبقى الحكم مبنيا على وثائق متعارضة فقط، وإنما يمكن ربط الوثيقة بالعقار الموجود فعليا على الأرض.

 

3 – الاستئناف والمحكمة العليا

تنشأ غرفة عقارية استئنافية داخل محاكم الاستئناف، ثم تخصص في المحكمة العليا غرفة مختصة بالمنازعات العقارية.

وبذلك يصبح المسار القضائي واضحا:

مصالحة إدارية → قضاء عقاري متخصص → استئناف عقاري → رقابة المحكمة العليا.

ثالثا / السجل العقاري: الحلقة التي تجعل الحل دائما
لا يكتمل الإصلاح بمجرد صدور الحكم.

فكل تسوية أو حكم نهائي يجب أن يؤدي تلقائيا إلى تحيين السجل العقاري.
وينبغي إنشاء هوية عقارية موحدة لكل عقار تتضمن، بحسب القانون، رقمه، وموقعه وإحداثياته ومساحته ومالكيه والحقوق والقيود المتعلقة به.

كما ينشأ سجل وطني للمنازعات العقارية يتيح معرفة الوضعية القانونية للعقار قبل إجراء أي تصرف عليه.

وهنا ينتقل الإصلاح من معالجة النزاع إلى منع إنتاج نزاعات جديدة.

 

تصفية الإرث العقاري القديم

ولأن إصلاح المستقبل لا يكفي، تقترح المنظومة إنشاء برنامج انتقالي لتصفية المخزون العقاري القضائي لمدة محددة (خمس سنوات مثلا)، تُفرز خلاله القضايا القديمة إلى:
• نزاعات قابلة للمصالحة؛
• نزاعات تحتاج إلى خبرة ومسح؛
• نزاعات قضائية خالصة؛
• نزاعات تتعلق بأملاك الدولة؛
• وقضايا ذات شبهة جزائية تحال إلى الجهات المختصة.
وبذلك لا تتحول المحكمة المتخصصة إلى مجرد مستودع جديد للملفات القديمة.

 

النموذج في معادلة واحدة
الإدارة العقارية تمنع النزاع من الوصول إلى القضاء متى أمكن،
والقضاء المتخصص يحسم ما تعذر حله،
والخبرة الفنية تحدد العقار بدقة،
والسجل العقاري يثبت النتيجة ويمنع إعادة النزاع.
هذه هي الفكرة الأساسية للنموذج الموريتاني، و هو الإصلاح العقاري الذي تحتاجه موريتانيا: من قضاء يلاحق النزاع بعد وقوعه، إلى منظومة تمنع النزاع قبل وقوعه، وتنهيه نهائيا إذا وقع.

 

المصدر : الكاتب 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى