الأخبارتقارير ودراساتعربي و دولي

محمد دحلان يعود إلى المشهد الفلسطيني.. مصالحة وطنية أم تمهيد لوراثة مقعد عباس؟

القيادي الفلسطيني محمد دحلان(ارشيفية من النت)

الصدى- (تقرير إخباري) – في توقيت بالغ الحساسية بالنسبة للقضية الفلسطينية، عاد القيادي الفتحاوي السابق محمد دحلان إلى واجهة المشهد السياسي بخطاب يتجاوز الحسابات الفصائلية المباشرة، داعياً إلى مراجعة التجربة الفلسطينية وإنهاء الانقسام وتأسيس عقد وطني جديد، بالتزامن مع حديث متزايد عن اتصالات وحوارات بين تياره وحركة حماس.

 

وجاءت عودة دحلان السياسية من بوابة المصالحة الوطنية، إذ شدد في رسالة وجهها إلى قيادات وكوادر تيار الإصلاح الديمقراطي في حركة فتح على أن الاقتتال الداخلي كان «جريمة وطنية»، وأن الدم الفلسطيني «محرّم في الصراع السياسي»، مؤكداً أن السلاح لا ينبغي أن يكون وسيلة لتحديد من يحكم، وأن القوة لا تمنح الشرعية. كما دعا إلى مراجعة أخطاء المرحلة السابقة، بعيداً عن تصفية الحسابات، وإلى بناء نظام سياسي جديد يستند إلى الشراكة والانتخابات والمؤسسات.

 

خطاب جديد بلغة مختلفة!!

 

لا تبدو أهمية رسالة دحلان في مضمونها التصالحي وحده، وإنما في توقيتها ولغتها أيضاً. فالرجل الذي ارتبط اسمه لسنوات طويلة بالصراع الداخلي بين فتح وحماس، يضع نفسه هذه المرة في موقع الداعي إلى تجاوز الانقسام، متحدثاً عن مسؤوليات متعددة وعن أخطاء ارتكبتها أطراف فلسطينية مختلفة.

 

وهذه النقلة في الخطاب ذات دلالة سياسية، إذ لا يطرح دحلان مصالحة تقوم على طي صفحة الماضي أو مساواة جميع المسؤوليات، وإنما يدعو إلى الاعتراف بالأخطاء واستخلاص الدروس، مع التأكيد على أن الهدف النهائي هو حماية الشعب الفلسطيني ومنع تكرار تجربة الاقتتال.

 

ويقول دحلان، وفق ما نقلته وسائل إعلام فلسطينية وعربية، إن المطلوب ليس الإجابة عن سؤال «من كان على حق؟»، بقدر ما هو البحث عن كيفية حماية الشعب الفلسطيني وإعادة بناء مؤسساته ومشروعه الوطني.

 

حماس ودحلان.. من الخصومة إلى الحوار!!

 

الأكثر إثارة في التحرك الجديد هو تزامنه مع اتصالات بين تيار دحلان وحركة حماس، وهي علاقة تحمل مفارقة تاريخية كبيرة بالنظر إلى أن الرجل كان أحد أبرز خصوم الحركة خلال مرحلة الصراع الفلسطيني الداخلي.

 

وتحدثت تقارير حديثة عن لقاءات واتصالات بين الجانبين، فيما أكدت مصادر إعلامية أن الحوار لم يعد مجرد اتصال عابر، بل بات جزءاً من حراك فلسطيني أوسع يبحث مستقبل النظام السياسي والتحالفات المحتملة والانتخابات القادمة.

 

وكانت تقارير قد تحدثت في أغسطس المنصرم  عن لقاء جمع ممثلين عن “تيار الإصلاح الديمقراطي” الذي يتزعمه محمد دحلان ، وعناصر من حركة حماس في مصر، وعن احتمال تشكل تحالفات سياسية وانتخابية جديدة. كما تحدثت مصادر أخرى عن اجتماع في بيروت، إلا ان هذا اللقاء  لم تصدر بيانات رسمية و لا حتى تسريبات تؤكده ، وبالتالي، يبقى الحديث عن «لقاء سري» في لبنان مجرد شائعة سياسية ما لم تؤكده مصادر مستقلة وموثوقة، لكن مجرد وجود قنوات اتصال بين تيار دحلان وحماس يمثل بحد ذاته تطوراً سياسياً لافتاً.

 

لماذا الآن؟

 

التوقيت ربما يكون أهم من مضمون التحرك نفسه، فالساحة الفلسطينية تقف أمام مرحلة إعادة تشكيل واسعة بفعل تداعيات حرب غزة، ومستقبل القطاع، ومستقبل السلطة الفلسطينية، ومسألة إعادة بناء المؤسسات، فضلاً عن التحضيرات للانتخابات الفلسطينية المقررة، وفق ما أعلنته السلطة، في نوفمبر/تشرين الثاني 2026.

 

 

وفي هذا السياق، لم يعد السؤال الفلسطيني محصوراً في العلاقة بين فتح وحماس، وإنما أصبح متعلقاً بمن يستطيع إدارة المرحلة المقبلة، ومن يملك القدرة على جمع أكبر قدر ممكن من القوى الفلسطينية، ومن يمكنه التعامل مع الأطراف العربية والإقليمية والدولية المؤثرة في مستقبل القضية.

 

وهنا يظهر محمد دحلان باعتباره أحد اللاعبين الذين يمتلكون شبكة علاقات سياسية وإقليمية واسعة، إلى جانب تيار سياسي منظم وحضور في عدد من البيئات الفلسطينية، الأمر الذي يمنحه قدرة على العودة إلى النقاش العام حتى من خارج مؤسسات السلطة الرسمية.

 

 

وقد شهد أغسطس الماضي أيضاً حواراً بين حركة فتح الرسمية وتيار دحلان حول توحيد الحركة، بالتزامن مع أحاديث عن تحالفات انتخابية محتملة تشمل تيار الإصلاح الديمقراطي وحماس وفصائل وشخصيات فلسطينية أخرى.

 

 

 السؤال الأهم : هل يتحرك دحلان لخلافة محمود عباس؟

 

هنا تبرز أكثر الأسئلة حساسية، فمن الناحية السياسية، يصعب فصل عودة دحلان عن سؤال «اليوم التالي» في القيادة الفلسطينية، خصوصاً أن محمود عباس لا يزال رئيساً للسلطة الفلسطينية وحركة فتح، و مسألة الخلافة ظلت حاضرة منذ سنوات في النقاشات الفلسطينية والإقليمية.

 

وقد طُرح اسم دحلان سابقاً باعتباره أحد المرشحين المحتملين لخلافة عباس، لكن الطريق إلى الرئاسة لم يكن ممهداً ولا مفروشا بالورود حينها ، بسبب علاقة دحلان المتوترة آنذاك مع قيادة “فتح” ، وخروجه من الضفة الغربية، واستمرار الخلاف السياسي والتنظيمي بينه وبين عباس. وقد تناولت دراسات سياسية سابقة احتمال خلافة دحلان لعباس، وإن كانت الظروف الحالية مختلفة بصورة كبيرة عن تلك التي كانت قائمة قبل سنوات.

 

غير أن قراءة التحرك الحالي باعتباره مجرد حملة للوصول إلى الرئاسة قد تكون اختزالاً للمشهد، فدحلان، إذا كان يخطط للعودة إلى مركز القرار الفلسطيني، يحتاج أولاً إلى إعادة بناء صورته باعتباره طرفاً قادراً على الحوار مع مختلف القوى، وليس مجرد زعيم فصيل في مواجهة خصومه. ومن هذه الزاوية، فإن فتح قنوات مع حماس، والدعوة إلى المصالحة، والحديث عن الانتخابات والشراكة الوطنية، يمكن أن تشكل أدوات لإعادة التموضع السياسي.

 

“حماس” أيضاً لديها حساباتها!!

 

لكن التقارب المحتمل بين دحلان و “حماس” لا يمكن تفسيره من زاوية مصالح دحلان وحده.

فحماس تواجه هي الأخرى أسئلة كبرى حول مستقبل غزة، وطبيعة مشاركتها في النظام السياسي الفلسطيني، ومستقبل السلاح، وإدارة القطاع، والعلاقة مع السلطة الفلسطينية والقوى الإقليمية.

 

ولهذا يمكن أن تكون الحركة معنية بالتواصل مع شخصيات وتيارات تمتلك قنوات إقليمية وقدرة على التحرك خارج البنية التقليدية للسلطة، خصوصاً في مرحلة تتطلب ترتيبات سياسية جديدة.

 

ومن هنا قد يكون الحوار بين الطرفين أقرب إلى تقاطع مصالح مرحلي منه إلى تحالف استراتيجي مكتمل الأركان.

 

 

دحلان بين «المصالحة» و«إعادة تشكيل النظام»

 

اللافت أن خطاب دحلان لا يتحدث فقط عن مصالحة بين “فتح” و “حماس”، وإنما يذهب أبعد من ذلك عندما يتحدث عن تغيير النظام السياسي نفسه.

 

فهو ينتقد استمرار الأدوات التي أنتجت الانقسام، ويدعو إلى نظام يستند إلى المؤسسات والانتخابات، ويؤكد أن الشراكة الوطنية لا تعني بالضرورة العودة إلى المحاصصة الفصائلية.

 

وهذا الطرح، إذا تحول إلى مشروع سياسي عملي، يمكن أن يضع دحلان في موقع مختلف عن موقعه السابق؛ ليس باعتباره منافساً داخل حركة “فتح” فحسب، وإنما باعتباره طرفاً يحاول التأثير في شكل النظام السياسي الفلسطيني المقبل.

وهنا تحديداً تكمن أهمية تحركه.

 

هل يستطيع وراثة مقعد عباس؟

 

 

الإجابة على هذا السؤال  حتى الآن ليست محسومة،فدحلان يمتلك بعض عناصر القوة تتمثل أساسا في  خبرته السياسية والأمنية الطويلة  ، وحضوره القوي داخل تياره السياسي، بالاضافة لشبكة علاقات إقليمية واسعة ، وقدرة على التواصل مع أطراف فلسطينية متخاصمة، فضلاً عن عودة اسمه بقوة إلى التداول في النقاشات المتعلقة بالانتخابات والمستقبل السياسي الفلسطيني.

 

لكن في المقابل، يواجه محمد دحلان  عقبات كبيرة، أبرزها علاقته المتوترة مع قيادة “فتح” الرسمية، وغيابه عن الضفة الغربية منذ سنوات، وحساسية اسمه داخل قطاعات من الحركة والمجتمع الفلسطيني، إضافة إلى أن الرئاسة الفلسطينية لا تُحسم بمجرد امتلاك شبكة علاقات أو قدرة على عقد التحالفات.

 

كما أن أي مشروع لخلافة عباس سيحتاج إلى قبول فلسطيني واسع، وتوازنات داخل “فتح”، وتفاهمات مع الفصائل الأخرى، فضلاً عن مواقف القوى العربية والدولية المؤثرة في مستقبل السلطة.

 

لذلك، فإن الأصح في المرحلة الراهنة هو القول إن محمد دحلان يتحرك استعداداً لمرحلة سياسية جديدة، وليس بالضرورة أنه حسم لنفسه موقع الرئيس المقبل.

 

ما الذي يراقبه الفلسطينيون؟

 

المؤشر الأهم خلال المرحلة المقبلة سيكون انتقال دحلان من الخطاب إلى الفعل.

فإذا اقتصرت تحركاته على الدعوة إلى المصالحة ومراجعة الماضي، فقد تكون عودته محاولة للمساهمة في إعادة بناء البيت الفلسطيني.

 

أما إذا ترافقت هذه الدعوات مع تشكيل تحالفات انتخابية، وتوسيع الحوار مع “حماس”، واستعادة قنواته مع مكونات “فتح”، وبناء برنامج سياسي متكامل للمرحلة المقبلة، فإن ذلك سيعزز فرضية أنه لا يتحرك فقط للمصالحة، وإنما لإعادة بناء موقعه باعتباره أحد المرشحين المؤثرين في معادلة خلافة عباس.

 

وفي كل الأحوال، فإن عودة اسم محمد دحلان إلى قلب المشهد السياسي الفلسطيني تكشف أن مرحلة ما بعد الحرب قد تفتح الباب أمام إعادة ترتيب واسعة لخريطة القوى الفلسطينية.

 

وقد يكون السؤال الحقيقي، في نهاية المطاف، ليس فقط: هل يريد دحلان وراثة مقعد محمود عباس؟ وإنما: هل تتجه الساحة الفلسطينية نفسها إلى إعادة تعريف القيادة والسلطة والتحالفات بما يجعل المنافسة على «اليوم التالي» مفتوحة أمام أسماء وقوى كانت، حتى وقت قريب، خارج دائرة القرار؟

 

إعداد : (قسم التقارير الدولية)

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى