الأخبارتقارير ودراساتعربي و دولي

مدريد وباريس بعد «صدمة مجلس الشيوخ»: عثرة سياسية أم اختبار لمتانة الشراكة؟

(تقارير الصدى)-

من اعتراض قانوني إلى مواجهة سياسية

 

رفض مجلس الشيوخ الإسباني، في 29 سبتمبر، التصديق على معاهدة الصداقة والتعاون مع فرنسا، بأغلبية 142 صوتاً مقابل 106 وامتناع واحد. وجاء التصويت، الذي قاده حزب الشعب المعارض، رغم إعلان المحكمة الدستورية في 23 سبتمبر أن المادة المثيرة للجدل في المعاهدة لا تتعارض مع الدستور. والخلاف يتركز خصوصاً على بند يتيح حضور وزير فرنسي في اجتماعات حكومية إسبانية، قبل أن تتفق مدريد وباريس على تفسير يقصر الحضور على اجتماع منفصل عن مجلس الوزراء الرسمي.

 

العلاقات أوسع من معاهدة

 

سياسياً، يمثل الرفض إحراجاً لحكومة بيدرو سانشيز أكثر مما يمثل قطيعة مع باريس. فالمعاهدة الموقعة في برشلونة عام 2023 تهدف إلى تنظيم تعاون أعمق في ملفات الاقتصاد والطاقة والدفاع والهجرة والثقافة والتعاون الحدودي. كما أن العلاقات القائمة بين البلدين تتجاوز الإطار الذي يفترض أن تضيفه المعاهدة، إذ وصف ماكرون خلال زيارته الأخيرة الروابط الاقتصادية والثقافية والدفاعية بأنها شراكة متقدمة بالفعل.

 

ما الذي يترتب على الرفض؟

 

الأثر المباشر هو تعطيل دخول المعاهدة حيز التنفيذ، لا تعطيل التعاون الفرنسي-الإسباني القائم. ووفق النظام الدستوري الإسباني، ينتقل الخلاف بين مجلسي البرلمان إلى لجنة مختلطة من النواب والشيوخ، تقدم صيغة للتصويت؛ وإذا لم يحصل اتفاق، يملك مجلس النواب الكلمة النهائية بأغلبية مطلقة. وبذلك لا تزال المعاهدة قابلة للإنقاذ، خصوصاً أن مجلس النواب سبق أن وافق عليها بأغلبية 175 صوتاً. لكن استمرار المواجهة قد يحول الملف إلى ورقة في الصراع الداخلي الإسباني، ويؤخر إنشاء آليات التعاون المؤسسي التي كانت المعاهدة تستهدف تثبيتها.

 

فرنسا: استياء محسوب ولا تصعيد

 

باريس لم تتعامل مع التصويت باعتباره أزمة ثنائية. الرئيس إيمانويل ماكرون قال إنه يأسف للنتيجة ويحترمها باعتبارها جزءاً من العملية الديمقراطية، لكنه أكد أن المعاهدة جيدة، وأن الملاحظات القانونية حُسمت بعد قرار المحكمة الدستورية. ووصف الرفض بأنه «موعد ضائع» و«انتكاسة أكثر منها مأساة»، مؤكداً استمرار العمل مع إسبانيا. كما شدد الخطاب الفرنسي على المصالح المشتركة في الدفاع والطاقة والاقتصاد والتعاون الأوروبي.

 

المآل المرجح

 

المعطيات الحالية تشير إلى أن الخلاف سيبقى، في المدى القريب، داخل المؤسسات الإسبانية أكثر من تحوله إلى أزمة في العلاقات مع فرنسا. فباريس لديها مصلحة في استمرار التعاون، ومدريد وباريس ترتبطان بملفات أوروبية وأمنية واقتصادية لا تتوقف على مصير وثيقة واحدة. لذلك تبدو المعركة الحالية أقرب إلى اختبار سياسي داخلي حول شكل العلاقة مع فرنسا وحدود الالتزامات الحكومية، بينما يظل السؤال الأهم: هل تنجح الأغلبية البرلمانية في إعادة المعاهدة إلى مسار التصديق، أم يتحول «رفض مجلس الشيوخ» إلى سابقة تعيد رسم طبيعة الشراكة الإسبانية-الفرنسية؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى