ما هو موقف الإسلام من العقل؟ / العلامة عبد الله بن بيه

لقد كانت مسألة العقل من أهم القضايا الفلسفية التي شغلت المسلمين منذ القرن الثاني الهجري الى الثامن الميلادي، واشترك في الجدل حولها الفلاسفة والمتكلمون والأطباء والفقهاء، كما يقول الزركشي، ويمكن أن نضيف اللغويين المهتمين بالاشتقاق اللغوي وبالمعاني والمترادفات. وكل نظر إليه من زاوية الاستعمال الذي يخدم فيه.
وقد اختلفت الفرق في تعريفه إلى ألف قول كما يقول بعضهم. يمجد الإسلام العقل مرتبطاً بالفضيلة والأخلاق ويعطيه أكثر من اسم كلها تشير إلى حقيقته الراشدة وعلاقته بالحكمة.
فهو العقل والحجر والنُّهي وسمي عقلاً لأنه يعقل صاحبه عن ارتكاب القبائح والرذائل؛ أي يمنعه من ذلك. وكذا سمي حجراً أيضا لأنه يحجر صاحبه أي يمنعه من ارتكاب الرذائل. ويفسر العقل أيضا بأنه نور روحاني به تدرك النفس الأمور أو العلوم الضرورية والنظرية. ويفسر العقل أيضا بأنه القوة التي بها يكون التمييز بين الحسن والقبح.
وعقل الشيء : فهمه، قال تعالى «مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُون» وقال تعالى «لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُون» «أَفَلَا تَعْقِلُون» «وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ » «وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُون» وأكثر معنى هذه الكلمة أي العقل في القرآن أن يكون الفهم والإدراك الصحيح أو ما في معناه «إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُون» «قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ». واستعمل اللب جمعاً وأراد به العقل «يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُون»، وكذلك القلب «إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ» والفؤاد «وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُون» والنهى «إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِأُولِي النُّهَى». وفي المقولة المشهورة: أول ما خلق الله العقل وقال: وعزَّتي وجلالي ما خلقت خلقاً أكرم منك. بك آخذ وبك أعطي وبك أعاقب. وإن لم يثبت هذا القول عنه عليه الصلاة والسلام فإنه يشير إلى مكانة العقل عند المسلمين.
ـ الإسلام يجعل العقل مصدراً من مصادر المعرفة الأساسية. بل المصدر الأول المنتج في العقائد والإيمان وأحد المصادر الأربعة المؤسسة في التشريع الإسلامي، كما يقول حجة الإسلام أبو حامد الغزالي في مستصفاه.
ـ والعقل أحد الضرورات الخمس التي يقوم التشريع الإسلامي عليها، إلى جانب الدين والنفس والنسل والمال؛ هذه هي الكليات التي تحكم منظومة التشريع في الإسلام.
والعقل مناط التكليف والأمانة التي حملها الباري جل وعلا للإنسان بعد أن عجزت السموات والأرض والجبال عن حملها. وحرم الدين الإسلامي المسكرات وكلما يؤدي إلى تغييب العقل.
ولا يمكن تعارض نقل صحيح مع عقل صريح، وإلا قدم العقل الصريح الصحيح وحمل النقل على التأويل أو عدم الثبوت.
ودعا القرآن إلى إعمال العقل والفكر. عندما دعا إلى التدبر والتفكر في آيات الكون وآيات الوحي، وهي دعوة إلى اكتناه أسرار الخلق وحكم الأمر «أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ»
لافتاً الى انتباه الإنسان إلى البرهان القائم في نفسه على نفسه من نفسه «وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُون».
وفي الكون من حوله «وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا» «مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ»،
وأمر بالتفكر في خلقه والتدبر في وحيه وأمره قال «أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ» وقال تعالى «وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ» وقال سبحانه وتعالى «أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآَنَ» وقال جل وعلا «أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ» وقال تعالى «لِيَدَّبَّرُوا آَيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ». فالأمر بالتفكر والتدبر قد ورد بصيغة الخبر والاستفهام ليكون أبلغ في التقرير وأدعى إلى التفكير.
وإنما كان التفكير والتدبر وسيلة لاستكناه حكمة الخلق والمصلحة التي تتضمنها أحكام الحق.
إن هذه المميزات لا توجد في أي دين بهذا الوضوح والتماسك.
وانطلاقاً من هذا جاءت مقاصد الشريعة تمثل منظومة كاملة ترد الشريعة إلى أصول معقولة تصون مصالح الناس وتدرأ عنهم المفاسد، وذلك بعد أن استقرينا من الشريعة أنها وضعت لمصالح العباد استقراء لا ينازع فيه الرازي ولا غير الرازي. حسب عبارة الشاطبي
المصدر: صفحة الشيخ عبد الله بن بيه على الفايسبوك




