الأخبارفضاء الرأي

الإطار البارز سيدي ولد دومان يكتب في ذكري والده العالم المتبحر المرحوم الشيخ ولد دومان

فى مثل هذا اليوم، قبل ثمان سنوات، فارق دنيانا الفانية، الوالد الكريم الشيخ دومان ولد الشيخ ولد أحمد ولد الشيخ سيدى أحمد البكاي البكرى الكنتى القرشي…
كان ذلك في العاصمة السنغالية داكار، حيث كان يتابع العلاج إثر وعكة صحية ألمت به قبل ذلك بفترة ليست بالطويلة(شهرين او أكثر بقليل على ما اتذكر )…
كانت الساعة تشير إلى العاشرة وخمسين دقيقة صباحا، عندما استلقيت بجانبه على السرير ووضعت ذراعى تحت رأسه وقلت له كيف حالك الآن؟ رد علي والسبحة فى يده: أنا بخير والحمد لله ولكن لا تنسي وصيتى، فقد حان وقتها.
تملكنى الرعب، فأنا أتذكر الوصية جيدا وهي أن يدفن في المكان الذي اختاره بنفسه قبل أربعين سنة بين أبويه فى لحويطات وأن يدفن في تابوت. هكذا كان يوصينى منذ صباي كلما بقينا وحدنا…
حاولت السيطرة علي مشاعرى، وقلت له(ماه فالك )لا بأس عليك، طهور ان شاء الله.
فرد علي بنبرة الواثق من كلامه، المؤمن بربه، الراضي بقضائه:
يا بني، أنا لا اهذى ولست خائفا، بل أنا مسرور وفرح بلقاء من هو أكرم منكم وأرحم بي، ولكنى اشهدك اني قلت فى حياتى قبل مماتى:”أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، بلغ الرسالة وأدى الأمانة وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين “، وخفت صوته وهو يردد “لا اله الا الله، محمد رسول الله “.
عندها، ناولنى شقيقى الأستاذ أحمد ولد دومان، الهاتف ووقفت أتكلم مع المتصل وكان أحد الأهل في نواكشوط، يطمئن على حاله.
وفجأة، قالت شقيقتى البارة الصالحة، اتوي بنت دومان، وكانت تمسك بيده، الحمد لله، لقد نام، فقال لها أحمد وهو يغالب دموعه، سلي له الرحمة، لقد انتقل إلى الرفيق الأعلى.
عندها،قطعت الاتصال ونظرت إلى وجهه المتلالئ الوضاح، وقلت لها نعم، نعم، لقد نام ثم احتضنتها وقلت انت تعرفين أنه كان دائما يردد دعاءه المشهور:”اللهم اجعل موتي كنومى واجعل حسابى كسرورى واجعل آخر كلامى لا اله الا الله محمد رسول الله “وقد استجاب الله لدعائه، فالحمد لله وإنا لله وإنا إليه راجعون…
لقد شعرت بمرارة اليتم وأنا الخمسيني يومها…أحسست أن غطاء سميكا من الحماية والارشاد والنصح والحكمة، انقشع عنى فجأة وانى أصبحت تائها دونما وقاية أو مرجع أو ملاذ.
كانت إلى جانبه فى تلك اللحظة المفجعة شقيقتاي البارتان النقيتان الزين بنت دومان وامنيه بنت دومان.
واستاجبة لما يقتضيه الموقف من رباطة الجأش، كفكفت دموعى واستجمعت قواى ورضيت بقضاء الله وقدره.
لقد فقدت فى مثل هذا اليوم قبل ثمان سنوات، الأب الحنون والصديق الوفى والملهم والمرشد والناصح والمعلم…
كان، رحمة الله عليه، رجلا فذا بكل معانى الكلمة:
كان تقيا، نقيا،ورعا، عابدا زاهدا، اشتهر بقيام الليل والسجود الذى لا يقطعه إلا لضرورة من ضرورات الحياة، والذكر الذى لا يفارق لسانه.
كان، عالما متبحرا وفقيها مشهودا، يحفظ المتون المعروفة في هذه البلاد عن ظهر قلب. حدثني العلامة، ابن الاكرمين، قاض تكانت، المرحوم محمد محمود ولد بيها، سليل العلامة، حبر الأمة، طيب الذكر، سيدى عبد الله ولد الحاج ابراهيم، قال: إن أباك(يعنى الشيخ دومان )رجل موهوب وحافظة، جمع علم الأولين والآخرين وانا ابرزه واعتمد فتاواه في فى العقار والبيوع والاحوال الشخصية، لثقتى فى علمه وورعه.
وكان، رحمه الله، مؤرخا ونسابة واديبا لبيبا، يحفظ عيون الشعر العربي ونوادره وشوارده، ويستشهد بها ويوردها فى محلها…وقد بدت عليه علامات النبوغ منذ الطفولة. من ذلك أنه وهو يأخذ القرآن عن مشائخه، كان يكمل الحزب فى يوم واحد حيث يحفظ أربعة اثمان فى أول النهار وأربعة في آخره. وكان يحفظ المعلقة من الشعر الجاهلي من حكاية واحدة. ولم يقرأ كتابا إلا حفظه وظل يحفظه طيلة حياته، فكان قليلا ما يرجع إلى مكتبته الغنية بأمهات الكتب النفيسة. لم يمارس نشاطا أو هواية إلا أصبح مضرب مثل فى ذلك المجال:فكان غاية فى حسن الخط وفى اللعبة الشعبية(ظامت) وفي خط الرمل وغير ذلك كثير.
وفوق هذا كله، كان رحمه الله، سياسيا، فطنا ،حكيما اشتهر بالنباهة وسرعة البديهة وروح المبادرة، دافع عن قومه وحمى حماهم وصان كرامتهم ومثلهم فى المحافل والمناسبات أحسن تمثيل
اعمل منذ فترة على تأليف كتاب، لأشارك القارئ بعض مناقبه ومأثره التي لا تحصى، سانشره لاحقا إن شاء الله.
لكنني، اليوم، وبهذه المناسبة الحزينة، ساروي حادثة تدل على حكمته وفطنته وعلمه وبعد نظره، رضي الله عنه وأرضاه.
كان من عادة رئيس الدولة السابق محمد خونا ولد هيداله، أن ينظم، خلال زياراته للولايات، اجتماعا يسمي ” اجتماع الاطر” ، كان يترأسه بنفسه وبحضور أعضاء الوفد والإدارة المحلية وجميع الأطر والوجهاء والفاعلين من سكان الولاية..كانت المداخلات حرة ومتاحة للجميع مايجعل الاجتماع يستمر لساعات طويلة( يبدأ آخر النهار وينتهي مع ساعات الصباح الأولى ) ….
خلال أحد هذه الاجتماعات، في تجكجه، كانت غالبية السكان غير راضية عن اداء الوالي والحاكم المركزي واشتكاهما المتدخلون وانتقدوهما حد القدح والتجريح احيانا وطالبوا باعفائهما.. .
كان، رحمة الله عليه، حاضرا، لكنه لم يتدخل رغم أنه يشعر بما يشعر به الآخرون ويعاني مثلهم وربما أكثر، لكنه، كان عالما بتاريخ الملوك والقادة وبالطرق الناجعة في مخاطبتهم وإيصال الرسائل إليهم دونما استفزاز او احراج…فارادها “الضربة القاضية” .
وفي اليوم الموالي، توجه الوفد الى قرية لحويطات وكان، بالطبع، هو من يستقبله ويخاطبه باسم السكان…وبعد الاستقبال والترحيب، تناول الكلام فحمد الله واثني عليه وصلي على خير البرية وثمن بعض الأمور وانتقد أخرى وقدم مطالب الولاية واحتياجاتها ثم مطالب القرية الخاصة بها وقال:” سيدي الرئيس، إننا في هذه الولاية وفي هذه المقاطعة، نشكركم على حسن اختياركم حيث اخترتم لنا واليا وحاكما من خيرة ” كوادر ” هذا البلد. وقد خدمانا بتفان، ردحا من الزمن ونشرا العدل وحققا التنمية حتى اضحينا دون مشكلات والحمد لله.
لكننا نشعر أن ايثارنا بهذا النوع من المسؤولين، ربما تغبطنا عليه الولايات الأخرى وترى فيه نوعا من التمييز الذي لا يناسب قيم العدالة التي تحرصون على اشاعتها وعليه، فإننا نرى أن يقضي هذان المسؤولان، الفترة نفسها في كل ولاية من ولايات الوطن حتى يعم الخير والعدل والتنمية….ادرك الرئيس وكبار معاونيه القصد، وعند عودته إلى نواكشوط، تم اعفاء المعنيين من وظيفتيهما. .

رحمه الله رحمة واسعة، فقد كان من النوادر الذين لا يتكرر وجودهم دوما.
فلله ما أخذ وله ما اعطى وكل شيء عنده بأجل مسمى، وإنا لله وإنا إليه راجعون.
إن العين لتدمع وإن القلب ليخشع ولا نقول إلا ما يرضى الله.
أرجوكم جميعا أن تسألوا له الرحمة والغفران. جزاكم الله خيرا ومتعكم بأبائكم ورحم من اختار منهم إلى جواره، إنه سميع مجيب.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى