الأخبارتحقيقاتفضاء الرأي

الأرقام تكشف الفشل البنيوي في إدارة الصفقات العمومية بموريتانيا / بقلم: الهادي ولد أبوه

الهادي ولد ابوه / كاتب في الشأن الاقتصادي

في مجلس الوزراء الأخير قدم الوزير المكلف بالأمانة العامة للحكومة بيانًا يوضح تطور محفظة الصفقات الكبرى في موريتانيا خلال الفترة من نوفمبر إلى ديسمبر 2025. الهدف المعلن هو “تحسين متابعة المشاريع الكبرى وضمان فعالية تنفيذ البرامج التنموية”، خاصة تلك المرتبطة بالبرنامج الاستعجالي لتنمية نواكشوط وبرنامج تعميم النفاذ إلى الخدمات الأساسية.
لكن قراءة أرقام البيان تكشف مفارقة كبيرة بين الخطاب الرسمي والواقع العملي:
52% متوسط تقدم المحفظة الكلي
40% معدل الصرف الفعلي
129% معدل استهلاك الآجال التعاقدية
54% من المشاريع تجاوزت الآجال
هذه المؤشرات لا تعكس مجرد “تحديات تنفيذية طبيعية”، بل”خللًا مؤسسيًا مزمنًا”، حيث يصبح التأخير قاعدة وليس استثناء، وغياب الجزاءات والمساءلة يترك المجال للفشل المتكرر دون تكلفة.
الأرقام تعكس أيضًا تفاوتًا جغرافيًا مقلقًا:
البرنامج الاستعجالي لنواكشوط تم تنفيذ 77% منه، مع معدل استهلاك آجال 69%، أي أن جميع المكوّنات تجاوزت معدل الآجال المتفق عليه.
بالمقابل، برنامج النفاذ إلى الخدمات الأساسية في الداخل سجل 16% تقدم فقط، مع تباينات واضحة حسب القطاعات.
هذا التفاوت يشير إلى حقيقة موريتانية معروفة منذ سنوات:
كلما ارتفعت الرقابة السياسية والإعلامية، تحسن الأداء؛ وكلما غابت المساءلة المحلية، تزايد التأخير وازدهرت الممارسات المشابهة للفساد الصامت.
من منظور مؤسسات مثل “صندوق النقد الدولي والبنك الدولي”، المشكلة ليست في ندرة الموارد أو ضعف التخطيط، بل في “ضعف الانضباط التعاقدي، عدم ربط التمويل بالنتائج، وترسيخ التأخير كجزء من النظام التنفيذي”. مما يؤكد أن الشفافية الشكلية – أي مجرد نشر الأرقام والتقارير – لا تكفي إذا لم تُترجم إلى”محاسبة حقيقية”، وتفعيل العقود، وربط المسؤولية بالنتائج.
إن ما نراه في موريتانيا اليوم هو “فساد بنيوي هادئ”، صامت لكنه مكلف اجتماعيًا، يتمثل في:
1. تمديد الآجال التعاقدية دون كلفة فعلية.
2. تنفيذ جزئي للمشاريع رغم صرف محدود، ما يفتح باب الهدر.
3. تفاوت واضح بين العاصمة وبقية البلاد، ما يعكس عدم فعالية اللامركزية.
الخلاصة واضحة: تحسين متابعة الصفقات والشفافية الشكلية مهم، لكنه “غير كافٍ”. ما تحتاجه موريتانيا اليوم هو:
– ربط الصفقات بالأداء الحقيقي،
– فرض جزاءات صارمة على التأخير والفشل،
– تعزيز قدرات الإدارة المحلية لضمان تنفيذ المشاريع في الداخل كما هو الحال في العاصمة،
– وضمان أن تكون الرقابة والمتابعة أدوات لتقليل الفساد البنيوي وليس مجرد شكل تقني للإصلاح.
بدون هذه الإصلاحات الجوهرية، ستبقى الأرقام العالية في المتابعة مجرد واجهة، بينما يبقى التأخير والفشل البنيوي سيد الموقف، مع تأثير سلبي مباشر على التنمية وجودة حياة المواطنين.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى