خبير دستوري: تحصين المأموريات الرئاسية في الدستور الموريتاني يعكس توجهاً دولياً لحماية التناوب الديمقراطي
أكد الخبير الدستوري الدكتور إدريس حرمة ولد بابانا أن الدستور الموريتاني حصّن أحكام المأمورية الرئاسية بموجب المادة 99، على غرار ما هو معمول به في دساتير السنغال والجزائر والبرتغال، معتبراً أن أي مسعى لتعديل هذه الأحكام يظل غير مقبول دستورياً.
وأوضح ولد بابانا، في دراسة تحليلية مقارنة بعنوان: “هل تملك الأغلبية حق إطالة السلطة؟ قراءة في حدود الزمن الرئاسي في الأنظمة الدستورية المعاصرة”، أن هذا التحصين لم يأتِ اعتباطاً، بل يعكس توجهاً دستورياً دولياً متنامياً يهدف إلى حماية مبدأ التناوب الديمقراطي ومنع تركّز السلطة التنفيذية في يد شخص واحد لفترات طويلة.
وأشار إلى أن الجدل الدائر حول إدراج مسألة المأموريات ضمن الحوار الوطني المرتقب يكتسي حساسية خاصة، لارتباطه بجوهر النظام الدستوري ومبادئ استقرار المؤسسات وسمو الدستور. وأكد أن دراسته لا ترمي إلى توجيه الموقف الوطني، وإنما تسعى إلى تقديم قراءة علمية محايدة تستند إلى مبادئ القانون الدستوري المقارن.
وفي ما يتعلق بمدة المأمورية، بيّن أن المعيار الغالب عالمياً يتراوح بين أربع وخمس سنوات، وهو النموذج المعتمد في موريتانيا ومعظم الديمقراطيات الدستورية، معتبراً أنه يحقق توازناً معقولاً بين الاستقرار الحكومي والرقابة الشعبية الدورية عبر الانتخابات.
وفي المقابل، أوضح أن المأموريات الممتدة إلى ست أو سبع سنوات تمثل اتجاهاً أقل انتشاراً، وغالباً ما ترتبط بتعزيز قبضة السلطة التنفيذية وتقليص هامش المساءلة الديمقراطية.
أما بشأن عدد المأموريات، فشدد ولد بابانا على أن تحديدها بمأموريتين يُعد المعيار الدستوري الدولي السائد، سواء كانتا متتاليتين أو غير متتاليتين، بوصفه آلية أساسية لمنع احتكار السلطة وضمان التداول السلمي عليها.
ونبّه إلى أن الدساتير التي تسمح بمأموريات غير محدودة تمثل انحرافاً عن المعايير الدستورية الحديثة، مستشهداً بتجارب عدة دول إفريقية شهدت أزمات سياسية واضطرابات مؤسساتية عقب تعديلات استهدفت إلغاء أو الالتفاف على قيود المأموريات.
وفي سياق المراجعات الدستورية، أكد أن مبدأ “عدم التراجع الديمقراطي” أصبح مرجعاً راسخاً في القانون الدستوري المقارن، وأن أي تعديل يرمي إلى إلغاء تحديد عدد المأموريات أو “تصفيرها” يُعد تعسفياً، حتى وإن احترم الإجراءات الشكلية للتعديل.
كما أشار إلى أن بعض الدول لم تكتفِ بالتحصين الدستوري، بل جرّمت محاولات المساس بقواعد المأمورية باعتبارها اعتداءً على النظام الدستوري، ما يعكس خطورة المسألة في منظور القانون الدستوري الحديث.
وختم ولد بابانا دراسته بالتأكيد على أن أي إصلاح دستوري يبتعد عن مبادئ تحديد مدة معتدلة للمأمورية، وضبط عددها، وصون التناوب الديمقراطي، يعرّض مشروعيته للاهتزاز داخلياً ودولياً، ويفتح الباب أمام انتقادات قانونية وسياسية واسعة.




