الأخبارفضاء الرأي
المهندس أحمد ولد أعمر يرد علي الوزير الأول
معالي الوزير الأول،من حيث المبدأ، تبدو المقاربة التي عرضتموها منطقية من زاوية إدارة الموارد العمومية خلال ظرف اقتصادي استثنائي. فالمفاضلة بين دعم شامل للمحروقات يكلف الخزينة خمسين مليار أوقية خلال فترة وجيزة، وبين دعم جزئي للأسعار مصحوب بحماية البرامج الاجتماعية والتنموية وتوجيه دعم إضافي للفئات الهشة، ليست مسألة بسيطة، بل هي اختيار بين أولويات متعددة ومتداخلة.
ومن الناحية الاقتصادية البحتة، فإن الدعم الشامل للمحروقات، رغم أثره المباشر على الأسعار، لا يستفيد منه المواطنون بنفس الدرجة. فكلما ارتفع استهلاك الفرد أو المؤسسة للمحروقات والغاز والخدمات المرتبطة بالطاقة والنقل، ارتفعت حصته الفعلية من ذلك الدعم. وبذلك تستفيد الفئات الأعلى دخلاً والمستهلكون الأكبر للطاقة بنسبة أكبر من الفئات محدودة الدخل، رغم أن الهدف المعلن هو حماية الجميع.
في المقابل، يقوم الخيار الثاني على تحمل الدولة الجزء الأكبر من الزيادة، بما يناهز خمسة وثلاثين مليار أوقية، مع المحافظة على برامج اجتماعية وتنموية بقيمة خمسة عشر مليار أوقية، وتخصيص دعم موجه للفئات الأقل دخلاً يتجاوز ثمانية عشر مليار أوقية. وهو ما ينسجم مع التوجهات الاقتصادية الحديثة التي تعتبر أن الدعم الموجه أكثر كفاءة وعدالة من الدعم الشامل، لأنه يوجه الموارد العامة إلى الفئات الأكثر حاجة بدل توزيعها بالتساوي بين الجميع.
غير أن نجاح هذا الخيار لا يقاس فقط بحجم الأموال المخصصة له، بل بمدى وصوله الفعلي إلى مستحقيه. فالمواطن البسيط لا يتعامل مع المؤشرات المالية المجردة، وإنما مع واقع معيشته اليومية. كما أن ارتفاع أسعار المحروقات لا يقتصر أثره على الوقود وحده، بل ينعكس على النقل وأسعار السلع والخدمات الأساسية، وهو ما يجعل أي سياسة تعويضية مطالبة بأن تكون قادرة على امتصاص هذه الآثار غير المباشرة أيضاً.
لذلك يمكن القول إن الخيار الأول يبقى الأنسب إذا كان الهدف هو تثبيت الأسعار للجميع دون تمييز، بينما يبدو الخيار الثاني أكثر نجاعة من الناحية الاقتصادية وأكثر انسجاماً مع مبادئ العدالة الاجتماعية إذا كانت آليات الاستهداف دقيقة وشفافة وتضمن وصول الدعم إلى الفئات المستحقة فعلاً.
وفي النهاية، فإن جوهر النقاش لا يكمن في المفاضلة النظرية بين خيارين متعارضين، بل في اختيار السياسة الأكثر قدرة على تحقيق التوازن بين متطلبات الحاضر واستحقاقات المستقبل. فحماية القدرة الشرائية للمواطن تظل أولوية لا غنى عنها، كما أن الحفاظ على التوازنات المالية للدولة واستمرار برامج التنمية يمثلان شرطاً أساسياً لضمان الاستقرار والنمو. وعليه، فإن نجاح أي قرار في هذا المجال سيقاس بقدرته على الجمع بين العدالة الاجتماعية والكفاءة الاقتصادية، وبمدى انعكاسه الملموس على حياة المواطنين، لا بمجرد حجم الموارد المرصودة له.




