ثورة 23 يوليو.. من استعادة الذاكرة إلى بناء المشروع الوطني والقومي/أحمد ولد الدوه
تعود ذكرى ثورة 23 يوليو كل عام لتفتح في الوجدان العربي أبواباً واسعة من الذاكرة، فتستحضر مرحلة ارتبطت لدى قطاعات واسعة من الشعوب العربية بمعاني التحرر الوطني، والعدالة الاجتماعية، والاستقلال السياسي، ومحاولة بناء دولة وطنية تمتلك قرارها وثرواتها، وتضع مصالح شعوبها في مقدمة أولوياتها.
وبعيداً عن التقييم التاريخي لتجربة الثورة، وما لها وما عليها، فإن بقاء حضورها في الذاكرة الشعبية يؤكد أن الشعوب لا تنسى المشاريع الكبرى التي خاطبت تطلعاتها إلى الحرية والكرامة والعدالة. فقد كانت ثورة يوليو، في الوعي العربي، جزءاً من موجة تحرر وطني أسهمت في مواجهة الاستعمار، ودعمت حركات الاستقلال، وطرحت فكرة أن بناء الدولة لا يكتمل من دون تحقيق العدالة الاجتماعية وصون السيادة الوطنية.
لكن المفارقة المؤلمة التي يعيشها العالم العربي اليوم تتمثل في غياب مشروع قومي عربي جامع قادر على تحويل طاقات الشعوب وثرواتها وموقعها الاستراتيجي إلى قوة سياسية واقتصادية مستقلة.
فالعالم يتغير بسرعة، وموازين القوى الدولية تعاد صياغتها، بينما لا يزال النظام العربي يعاني من التشرذم، والصراعات الداخلية، وضعف التكامل الاقتصادي والسياسي، الأمر الذي جعل المنطقة عرضة لتدخلات خارجية متزايدة، ولأزمات متلاحقة تهدد أمنها واستقرارها ووحدة دولها.
إن استعادة روح المشاريع الكبرى لا تعني بالضرورة استنساخ تجارب الماضي أو إعادة إنتاجها بحذافيرها، وإنما تعني استخلاص الدروس منها، والبحث عن طريق جديد يواكب تحديات العصر. والطريق إلى المشروع القومي، في تقديري، يبدأ من مشاريع وطنية قوية، تقوم على بناء مؤسسات الدولة، وتحقيق العدالة الاجتماعية، وتعزيز التعليم والبحث العلمي، وتطوير الاقتصاد والإنتاج، ومكافحة الفساد، وترسيخ سيادة القانون، وتوسيع المشاركة السياسية، بما يجعل الدولة الوطنية قادرة على حماية استقلالها ومصالح مواطنيها.
فلا يمكن بناء مشروع قومي حقيقي من دون دول وطنية قوية، ولا يمكن للدول الوطنية أن تواجه التحديات الكبرى منفردة في عالم تتكتل فيه القوى الاقتصادية والسياسية.
ومن هنا يصبح التكامل العربي ضرورة استراتيجية، يبدأ من التعاون الاقتصادي والتجاري، ويمر عبر مشروعات مشتركة في الطاقة والمياه والغذاء والنقل والتعليم والتكنولوجيا، وصولاً إلى تنسيق سياسي يحفظ للدول العربية مصالحها المشتركة وقرارها المستقل.
والقضية الفلسطينية تظل في قلب هذا التحدي، باعتبارها قضية شعب وحقوق وأرض وكرامة، وباعتبار أن استمرار الاحتلال والصراع يمثل أحد أبرز مصادر عدم الاستقرار في المنطقة.
ومن ثم فإن أي مشروع عربي جاد لا بد أن يضع في مقدمة أولوياته دعم حق الشعب الفلسطيني في الحرية وتقرير المصير، واستعادة حقوقه المشروعة، وفق ما تقرره القواعد القانونية والقرارات الدولية، بعيداً عن منطق القوة والهيمنة.
كما أن مواجهة القوى الخارجية لا تكون بالشعارات وحدها، ولا بالعداء المجرد، وإنما ببناء القوة الذاتية:
اقتصاد منتج، وتعليم متطور، وجامعات ومراكز أبحاث، ومؤسسات قوية، وإعلام مهني، ومجتمع متماسك، وعلاقات دولية متوازنة تحفظ المصالح الوطنية.
فالأمم لا تستعيد كرامتها إلا عندما تمتلك أسباب القوة، ولا تحمي أرضها وسيادتها إلا عندما تبني دولة قادرة على الدفاع عن مصالحها.
إن ذكرى 23 يوليو، في هذا السياق، ينبغي ألا تتحول إلى مجرد مناسبة لاستعادة الماضي أو اجترار الشعارات، بل إلى فرصة للتفكير في المستقبل.
فالتحدي الحقيقي أمام الأجيال العربية الجديدة هو الانتقال من الحنين إلى الإنجازات السابقة إلى صناعة إنجازات جديدة، ومن انتظار المشاريع الكبرى إلى بناء مقدماتها على المستوى الوطني.
إن المشروع القومي العربي المنشود لن يولد بقرار فوقي، بل يمكن أن يتشكل تدريجياً من نجاح المشاريع الوطنية، ومن تعاون الدول والشعوب، ومن احترام الخصوصيات الوطنية، ومن الإيمان بأن ما يجمع العرب من تاريخ وثقافة ومصالح مشتركة أكبر من خلافاتهم.
وفي ذكرى ثورة 23 يوليو، تظل الرسالة الأهم هي أن الكرامة لا تُمنح، والاستقلال لا يُستعار، والحرية لا تُستورد.
إنها تُبنى بإرادة الشعوب، وبالدولة العادلة، وبالعلم والعمل، وبامتلاك عناصر القوة.
ومن هنا، فإن الطريق إلى استعادة الأرض والحقوق والكرامة يبدأ ببناء الإنسان والدولة، ويمر عبر التعاون العربي، وينتهي إلى مشروع حضاري قادر على مواجهة الاستبداد والهيمنة والاحتلال، وصياغة مستقبل عربي أكثر عدلاً واستقلالاً وكرامة.




