الأخبارمقالات و تحليلات

 فؤوس التدمير لا تبني الأوطان .. لماذا يفشل الفاسدون في هندسة الدول ؟ / كتب ا.د كريم فرمان 

“من اعتاد فأس الهدم، لن يُتقن يوماً لَبِنَات البناء.

ا.د كريم فرمان / كاتب عراقي اكاديمي واستاذ القانون والنظم السياسية في جامعة الأخوين.افران المغرب.

وضع أدوات الإعمار في يد النخب الفاسدة والمتخلفة هو وَهْمٌ سياسي يقود الأوطان إلى المقابر.

  في هذا المقال الهام والشيق  للأكاديمي العراقي البارز الأستاذ الدكتور كريم فرمان تطالعون  كيف تلخص حكمة المهندس العثماني ‘معمار سنان’ فلسفة بناء الدول،

ولماذا يفشل الهدّامون دائماً في إدارة المستقبل.

#مقال_اليوم” فيه من الحكمة والدرس وقوة الطرح يستحق القراءة والتبصر.

المصدر : الكاتب /

التاريخ ليس مجرد حكايات تُروى، بل هو مرآة تُكشف فيها طبائع البشر وسنن المجتمعات. ولعل القصة الشهيرة للمهندس العثماني الفذ “معمار سنان” مع السلطان سليمان القانوني تلخص واحدة من أعمق الحِكم الإدارية والسياسية في تاريخ الدول بان عقليّة الهدم لا تبني وطنًا. عندما سأله السلطان عن سبب استبداله عمال الهدم بعمال آخرين للبناء، أجاب بحكمة سارت بها الركبان: “ناس للتدمير وناس للتعمير، ومن يصلح للتدمير لا يصلح للتعمير” . هذه القاعدة ليست مجرد خطة هندسية، بل هي قانون سياسي صارم: من تعوّد الفوضى وسعى في خراب البناء، من المستحيل أن يكون يوماً من بناة الحضارة والمدنية.

سيكولوجية الفساد والتخلف: عقلية الهدم الإقصائية

هناك فارق جوهري في التركيبة النفسية والفكرية بين قوى الهدم وقوى البناء، وهو ما يفسر لماذا تفشل النخب الفاسدة أو المتخلفة في إدارة أي مشروع وطني بسبب أن :

* عقلية الفساد والتخلف: تقوم على الأنانية، وتفتيت المؤسسات، وتقديم الولاء على الكفاءة، ونهب المقدرات. الفساد في جوهره فعل “هدم صامت” لأركان الدولة

* عقلية بناء الدول: تتطلب أناة، ورؤية استراتيجية، وإعلاءً لسلطة القانون، وقدرة على استيعاب الكفاءات لضمان الاستقرار والنهوض العُمراني .

 

لذلك، فإن الرهان على الفاسدين أو الهدّامين لإعادة إعمار ما خربته أيديهم هو وَهْم سياسي بامتياز لأن يد الفساد تفتقد إلى مرونة التشييد، وعقل التخريب والجهل لا يستوعب لغة التخطيط والمستقبل .
( شواهد من التاريخ: عندما تسلم “عمال الهدم” مقاليد الحكم).
التاريخ الإنساني مليء بالشواهد الحية التي تُثبت أن قوى الهدم والفساد، إذا ما تم تمكينها من مفاصل الدول، قادتها حتماً إلى الانهيار والخراب العُمراني والسياسي:

 

* الدولة المملوكية في أواخر عهدها: عانت الدولة من تفشي الفساد، وبيع المناصب، وإهمال البنية التحتية والزراعية لصالح الصراعات السياسية الضيقة وضمان مكاسب النخبة الحاكمة. النتيجة كانت انهياراً اقتصادياً وعمرانياً شاملاً جعل سقوطها مسألة وقت، لأن الفاسدين لم يملكوا يوماً عقلية “عُمال التعمير”.

 

* جمهورية القراصنة (ليبرتاتيا): في أواخر القرن السابع عشر، نجح قراصنة ومهربون في تأسيس مجتمع مستقل قائم على هدم سلطة الدول الكبرى وسفنها في مدغشقر لكن بمجرد استقرارهم، عجزت عقليتهم القائمة على السلب، والنهب، وغياب القانون عن إدارة “دولة” أو وضع نظام اقتصادي مستدام، فانهارت تجمعاتهم سريعاً لأن أدوات الخراب لا تصلح للإعمار.

 

* عهد الإرهاب في الثورة الفرنسية: عندما قاد “روبسبير” واليعاقبة الثورة لإسقاط الملكية وهدم النظام القديم، نجحوا في الهدم بامتياز لكن عندما حان وقت بناء فرنسا الجديدة، تحولت عقليتهم الإقصائية والمتطرفة إلى مقصلة حصدت الرؤوس، وفشلوا تماماً في التأسيس للاستقرار العُمراني أو السياسي ، ولم تنهض فرنسا إلا عندما أُزيحت هذه النخبة الهدّامة وحلّت محلها عقول إدارية وتنظيمية مؤمنة بمفهوم الدولة .

 

* حكمة نيلسون مانديلا: في المقابل، يبرز وعي مانديلا في جنوب أفريقيا. بعد إسقاط نظام الفصل العنصري (مرحلة الهدم)، أدرك تماماً أن عقلية الانتقام والثأر (أدوات الهدم) لا يمكن أن تبني دولة فاستبعد الخطاب التدميري واستبدله بنهج المصالحة، والاستعانة بالكفاءات القادرة على التشييد والتعايش، ولولا هذا الوعي لغرقت البلاد في حرب أهلية مدمرة .

 

إن محاولة الاستعانة بالمنظومات الفاسدة، أو النخب المتخلفة التي ساهمت في خراب المؤسسات وتبديد الثروات، لإعادة بناء الدول هو ضرب من الجنون السياسي ، فمن اعتاد العيش في مستنقع الفوضى والفساد يرى في النظام، والشفافية، وبناء العُمران قيوداً تهدد وجوده ومصالحه الضيقة خاتمة: العبرة للمستقبل
إذا أردنا بناء أوطان قوية، ومؤسسات ناجحة، ومجتمعات مترابطة، فالدرس المستفاد يقتضي إقصاء الفاسدين نهائياً عن مراكز القرار واللمرحل الجديدة في البلدان تقتضي دائماً أدوات جديدة وعقولاً نظيفة تؤمن بالبناء وتملك الكفاءة والصبر عليه ، وكما علمنا التاريخ: دعوا الفأس لمن اعتاد الهدم، وسلموا لبنات البناء لرجال الدولة الحقيقيين الذين يعرفون كيف يُعلون الصروح ويثبّتون أركان الأوطان . 

“إن هدم الدولة أسهل بكثير من بنائها، لأن التدمير يحتاج إلى الغريزة والجهل، بينما البناء يتطلب العقل والحضارة.”

مقولة مستوحاة من فلسفة المؤرخ وعالم الاجتماع ابن خلدون.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى