السيادة القانونية والمصالح المشتركة: مضيق هرمز كممر مائي دولي خارج معادلات الصراع/ بقلم: د كريم فرمان
The Rule of Law, Shared Interests, and the Strait of Hormuz: Keeping an International Waterway Beyond the Reach of Geopolitical Conflict

يتحفنا الأكاديمي العراقي البارز الأستاذ الدكتور كريم فرمان بالترجمة الحصرية لمقال قانوني واستراتيجي مميز كتبه لصالح مجلة Foreign policy الامريكية ، ليخص “الصدى” بحق نشر النسخة العربية المترجمة منه والذي يقدم اجابات قانونية وسياسية متفردة على تساؤلات عديدة تخص أزمة مضيق هرمز التي تشغل العالم وتربك الاقتصاد وتؤرق الدول والشركات العالمية
التحرير
———————–
أولاً: مقدمة المقال:
يُمثل مضيق هرمز في الجغرافيا السياسية المعاصرة الشريان الأبهر للاقتصاد العالمي، والركيزة الأساسية للأمن المائي والنفطي لدول الخليج العربي، وفي مقدمتها دولة الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية. وفي ظل التجاذبات الجيوسياسية الإقليمية والدولية المحتدمة، تثور إشكالية التكييف القانوني لطبيعة الملاحة في المضيق. ومن هنا، تتأسس فرضية هذا المقال على حقيقة قانونية راسخة: إن حق دولة الإمارات ودول الخليج في حرية الملاحة العابرة في مضيق هرمز هو حق أصيل، ثابت، ومستقل، مستمد من قواعد القانون الدولي العرفي والاتفاقي، ولا يجوز إقحامه كرهينة أو ورقة ضغط في الصراع الإيراني مع الولايات المتحدة وإسرائيل.
ثانياً: الأسانيد القانونية وتفصيل الموقف القانوني لإيران وأمريكا
ينبع النزاع القانوني حول مضيق هرمز من تباين المصالح والتفسيرات الانتقائية لقانون البحار بين طهران وواشنطن، وهو ما يفنده القانون الدولي على النحو التالي:
1. الموقف القانوني الإيراني والرد عليه:
* الادعاء الإيراني: تتمسك إيران (بموجب إعلانها عند التوقيع على اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار “UNCLOS 1982”) بأنها غير ملزمة بـ “حق المرور العابر” لأنها لم تصدق على الاتفاقية نهائياً. وتدعي أن النظام القانوني الساري هو “المرور البريء” (Innocent Passage) المستمد من اتفاقية جنيف 1958، والذي يمنحها الحق في تعليق أو منع عبور السفن التي تهدد أمنها وسياستها (خاصة السفن الأمريكية والإسرائيلية وحلفائها).
* رد القانون الدولي: هذا الدفع مردود عليه بأن “حق المرور العابر” في المضايق الدولية المشاطئة قد استقر كقاعدة من قواعد القانون الدولي العرفي (Customary International Law) الملزمة لجميع الدول . وبحسب مبادئ القانون الدولي، لا تملك دولة المشاطأة حق وقف أو تعليق المرور البريء أو العابر في المضايق المستخدمة للملاحة الدولية في زمن السلم أو التوتر ، وبالتالي فإن فرض إيران لرسوم أو تهديدها بقطع العبور يُعد انتهاكاً صارخاً للعرف البحري المستقر.
2. الموقف القانوني الأمريكي والرد عليه:
* الادعاء الأمريكي: تطالب الولايات المتحدة بالتطبيق الكامل والصارم لنظام “المرور العابر” (Transit Passage) الذي يتيح للسفن التجارية والحربية، وحتى الطائرات والغواصات (حالة العبور وهي مغمورة)، حرية الحركة دون قيود. وتستند واشنطن في ذلك إلى أن بنود اتفاقية UNCLOS 1982 المتعلقة بالمضائق تعكس القانون الدولي العرفي.
* رد القانون الدولي: رغم صحة الدفع الأمريكي بخصوص العرف الدولي، إلا أن الموقف الأمريكي يواجه ضعفاً قانونياً لكون الولايات المتحدة نفسها لم تصدق حتى الآن على اتفاقية UNCLOS 1982. هذا التمنع يجعل واشنطن تمارس “انتقائية قانونية”؛ إذ تطالب بحقوق تمنحها الاتفاقية بينما ترفض الالتزام بها ككل. ومع ذلك، يظل حق السفن التجارية الخليجية محصناً بموجب صفة الخليج كمنطقة اقتصادية خالصة ممتدة تضمن حرية الملاحة لجميع الدول.
ثالثاً: موجز السوابق القضائية لمحكمة العدل الدولية (ICJ Case Precedents)
شكل القضاء الدولي الحصن القانوني الذي استقرت من خلاله القواعد العرفية لحرية الملاحة في المضايق الدولية. وتعد الأحكام التالية الصادرة عن محكمة العدل الدولية المرجعية الملزمة التي تفند أي محاولات لعرقلة المرور في مضيق هرمز:
1. قضية مضيق كورفو (المملكة المتحدة ضد ألبانيا) – لعام 1949 :
قررت المحكمة أنه لا يجوز للدول المشاطئة للمضايق الدولية حظر أو تعليق المرور في زمن السلم أو التوتر. وأكدت المحكمة أن هذا الحق مكفول ليس فقط للسفن التجارية بل والسفن الحربية أيضاً، شريطة أن يكون المرور بريئاً وعابراً. هذا الحكم يمنع طهران قانوناً من زرع ألغام أو اعتراض السفن في مضيق هرمز تحت ذريعة حماية أمنها الإقليمي.
2. قضية الأنشطة العسكرية والشبه عسكرية (نيكاراغوا ضد الولايات المتحدة) – لعام 1986:
شددت المحكمة على أن حرية الملاحة البحرية هي مبدأ عرفي عالمي لا يجوز المساس به، وأن تلغيم الممرات المائية الدولية أو فرض حصار عسكري عليها يشكل انتهاكاً صارخاً لسيادة الدول الأخرى وحرية التجارة العالمية.
3. قضية منصات النفط (إيران ضد الولايات المتحدة) – لعام 2003:
أكدت حيثيات الحكم أن سلامة الملاحة التجارية في الخليج العربي تعد التزاماً دولياً جماعياً، وأن الهجمات المتبادلة التي تهدد حركة السفن تعطي الدول المتضررة المتشاطئة (مثل دول الخليج) الحق القانوني الكامل في حماية أمنها الاقتصادي والمطالبة بالتعويضات الدولية.
رابعاً: إحصائيات دقيقة عن حجم التجارة المارة بالمضيق
لتأكيد الأهمية الجيواقتصادية للمضيق وتأثيره على المصالح الخليجية والدولية المشتركة، نستعرض هذه الأرقام المحدثة:
* شريان الطاقة العالمي: يتدفق عبر مضيق هرمز ما يقارب 20% إلى 21% من إجمالي استهلاك النفط السائل في العالم يومياً (ما يعادل نحو 20-21 مليون برميل يومياً من النفط الخام والمشتقات).
* الغاز الطبيعي المسال: يمر عبر المضيق ما يزيد عن 20% من إجمالي تجارة الغاز الطبيعي المسال (LNG) العالمية، وهي النسبة التي تعتمد عليها بشكل شبه كامل دول صناعية كبرى مثل اليابان، كوريا الجنوبية، والصين.
* ثقل الصادرات الخليجية: تعتمد دول مجلس التعاون الخليجي على هذا الممر لتصدير ما يفوق 75% من إنتاجها النفطي متجهاً بالأساس إلى الأسواق الآسيوية، مما يجعل سلامة المضيق مسألة أمن قومي واقتصادي مباشر لهذه الدول.
خامساً: المقارنة القانونية والجيوسياسية: مضيق هرمز ومضيق ملقا.
لتوضيح تميز الوضع القانوني والجيوسياسي لمضيق هرمز، تُعقد مقارنة هامة بينه وبين مضيق ملقا (الواقع بين ماليزيا وإندونيسيا وسنغافورة):
| وجه المقارنة | مضيق هرمز (الخليج العربي) | مضيق ملقا (جنوب شرق آسيا) || الأطراف المشاطئة والسيادة | تشترك في مياهه الإقليمية دولتان أساسيتان هما سلطنة عُمان وإيران. | تشترك في سيادته ثلاث دول رئيسية: ماليزيا، إندونيسيا، وسنغافورة. |
| النظام القانوني المطبق | نزاع حاد: دول الخليج والعالم تطالب بـ المرور العابر، بينما تحاول إيران فرض نظام المرور البريء ومحاولة فرض رسوم عبور مؤخراً. | نظام المرور العابر (Transit Passage) مستقر ومطبق بالكامل بموجب الجزء الثالث من اتفاقية UNCLOS 1982. |
| طبيعة المهددات الأمنية | تهديدات جيوسياسية وعسكرية مباشرة نتيجة الصراع (الأمريكي الإسرائيلي الإيراني) وحروب الناقلات والألغام البحرية. | التهديدات تقليدية وتتمثل في القرصنة البحرية والسطو المسلح، وهي مهددات جنائية وليست صراعات عسكرية بين دول. |
| التعاون المشترك ودور الدولة | يفتقر إلى آلية تعاون مؤسسية موحدة بين ضفتي المضيق؛ فالصراع السياسي يطغى على التنسيق الفني. | نموذج يحتذى به في التعاون الإقليمي والتنسيق الثلاثي المشترك (عبر دوريات مضيق ملقا البحرية والجوية) لحفظ الأمن البحري. |
سادساً: شبكة الأمان الاستراتيجية: ميناء الفجيرة وخطوط الأنابيب البديلة في السعودية والخليج
لمواجهة محاولات الابتزاز الجيوسياسي، طورت دول الخليج بنية تحتية عملاقة لنقل النفط برّاً نحو منافذ بحرية آمنة (البحر الأحمر وبحر عُمان:
1. ميناء الفجيرة وخط أنابيب حبشان-الفجيرة (دولة الإمارات):
* خط (ADCOP): يمتد بطول 370 كيلومتراً من حقول أبوظبي البرية إلى الفجيرة، مما يسمح بتصدير نحو 1.5 إلى 1.8 مليون برميل يومياً من النفط الخام مباشرة إلى بحر عُمان والمحيط الهندي دون الحاجة للمرور عبر مضيق هرمز ويجري العمل على رفع الصادرات الإماراتية الإجمالية عبر الفجيرة بفضل المشاريع الموازية لتصل إلى ما يتراوح بين 3.6 إلى 4 ملايين برميل يومياً بحلول عام 2027 .
* المركز اللوجستي العالمي: يحتل ميناء الفجيرة المرتبة الثانية عالمياً في خدمات تزويد السفن بالوقود (Bunkering) بعد سنغافورة. ويساهم الميناء قانونياً واقتصادياً في خفض كلفة التأمين ضد مخاطر الحرب (War Risk Insurance) التي تُفرض على السفن عند دخولها الخليج العربي عبر هرمز في فترات التوتر العسكري.
2. خط الأنابيب شرق – غرب السعودي (Petroline) والبدائل الإقليمية:
* المسار والأهمية: يمتد هذا الخط العملاق لمسافة 1200 كيلومتر، ليربط بين منشآت معالجة النفط في “بقيق” بالمنطقة الشرقية وميناء “ينبع” الصناعي على ساحل البحر الأحمر.
* الطاقة الاستيعابية التنافسية: تبلغ الطاقة الاستيعابية القصوى للخط 7 ملايين برميل يومياً , يسمح هذا الخط للمملكة بتصدير غالبية حصتها النفطية الموجهة للأسواق العالمية عبر البحر الأحمر كخيار استراتيجي آمن .
* المرونة التشغيلية: تمتلك السعودية خطوط أنابيب موازية مخصصة لنقل سوائل الغاز الطبيعي (NGL)، يمكن تحويلها هندسياً في أوقات الأزمات لضخ النفط الخام بدلاً من الغاز، مما يرفع سقف الإمدادات البديلة المتجهة نحو الغرب.
سابعاً: خاتمة المقال
تأسيساً على ما تقدم، يخلص المقال إلى أن حقوق دولة الإمارات العربية المتحدة ودول الخليج العربي في مضيق هرمز ليست منحة من دول المشاطأة، بل هي حقوق سيادية كفلها القانون الدولي البحري المستقر. إن محاولات تسييس الملاحة في المضيق أو رهنه بحسابات الصراع الإقليمي والدولية تُعد تقويضاً للنظام القانوني العالمي. وأمام هذا الواقع، يتوجب على دول الخليج والمجتمع الدولي التمسك بالأدوات القانونية والدبلوماسية، بالتوازي مع تعظيم البدائل الجيوستراتيجية الحيوية كميناء الفجيرة وخطوط الأنابيب السعودية والشبكات اللوجستية الإقليمية، لحماية ثروات الشعوب وضمان تدفق الطاقة .
لمطالعة المقال الأصلي الرجاء تحميل الملف المرفق P D F
The Rule of Law, Shared Interests, and the Strait of Hormuz: Keeping an International Waterway Beyond the Reach of Geopolitical Conflict




