الأخبارتقارير ودراساتمقالات و تحليلات

المفكر الاماراتي د. جمال سند السويدي.. حين تتحول المعرفة إلى قوة ناعمة للإمارات!

الأستاذ الدكتور جمال سند السويدي نائب رئيس مجلس أمناء مركز الامارات للدراسات الاستراتيجية

كتب : محمد عبد الرحمن /

ليس كل مفكر ينجح في تحويل المعرفة إلى مؤسسة، ولا كل مؤسسة بحثية تستطيع أن تتحول إلى عنوان عربي يحظى بالاحترام في دوائر الفكر والسياسة الدولية. وبين هذين الاستثناءين تبرز تجربة الدكتور جمال سند السويدي، المفكر والكاتب الإماراتي الذي ارتبط اسمه، على مدى أكثر من ربع قرن، بمركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية، أحد أبرز بيوت الخبرة والدراسات الاستراتيجية في العالم العربي.

 

منذ توليه إدارة المركز عام 1994 وحتى عام 2020، لم يتعامل السويدي مع البحث العلمي بوصفه ترفاً أكاديمياً، وإنما باعتباره أحد أدوات بناء الدولة وصناعة القرار وتعزيز حضور الإمارات في النقاشات الإقليمية والدولية. وقد ساهمت تجربته في ترسيخ المركز كمنصة تجمع الباحثين والسياسيين والدبلوماسيين والإعلاميين، وتنتج الكتب والدراسات والندوات التي تتجاوز حدود الإمارات إلى الفضاء العربي والدولي.

 

عقل استراتيجي يقرأ التحولات

 

يحمل السويدي بكالوريوس العلوم السياسية من جامعة الكويت، ثم الماجستير والدكتوراه في التخصص ذاته من جامعة ويسكونسن الأميركية، وهو تكوين أكاديمي انعكس بوضوح على منهجه الذي يجمع بين القراءة الاستراتيجية والتحليل السياسي واستشراف المستقبل.

 

وفي مؤلفاته، انتقل من قضايا الدولة والمجتمع إلى الإسلام السياسي والتحولات الدولية ووسائل التواصل الاجتماعي ومستقبل النظام العالمي. ويظل كتابه «السراب» من أبرز أعماله، إذ تناول ظاهرة الإسلام السياسي وتداعياتها، وحصل بسببه على جائزة الشيخ زايد للكتاب عام 2016. كما قدم «آفاق العصر الأمريكي»، و«وسائل التواصل الاجتماعي ودورها في التحولات المستقبلية: من القبيلة إلى الفيسبوك»، و«بصمات خالدة»، و«لا تستسلم.. خلاصة تجاربي»، فضلاً عن أعمال تناولت تجربة الشيخ زايد ومنهج بناء دولة الاتحاد.

 

ولعل اللافت في مشروع السويدي أنه لم يكتفِ بقراءة الإمارات من الداخل، بل سعى إلى وضع تجربتها في سياق أوسع: الدولة الحديثة، التنمية، الأمن، التحولات الاجتماعية، الفكر السياسي، والعلاقة بين القوة والمعرفة.

 

مركز الامارات للدراسات .. حصاد  يتجاوز صاحبه

 

يحسب للسويدي أنه كان شديد الوعي بأن نجاح المؤسسة لا ينبغي أن يتحول إلى مجد شخصي. ففي حديث سابق، شدد على أن تقديم الفرد على المؤسسة خطأ، مؤكداً أن ما حققه مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية كان ثمرة منظومة عمل مؤسسية.

 

وهنا تكمن إحدى أهم سمات تجربته حيث تمكن من تحويل مركز الامارات للدراسات الاستراتيجية  إلى مؤسسة معرفية ذات إنتاج متراكم، لا إلى منبر مرتبط بشخص مديره.

 

تعزيز حضور “أبوظبي” على خريطة مراكز الفكر العالمية.

 

وقد أسهم المركز، خلال قيادته له ، في إثراء المكتبة العربية بمئات الدراسات والكتب والفعاليات العلمية، واستقطاب باحثين عرب وأجانب، بما عزز موقع أبوظبي والإمارات على خريطة مراكز الفكر العالمية.

 

علاقة المعرفة بالقيادة

 

ارتبط نجاح المركز أيضاً بالدعم الذي حظي به من القيادة الإماراتية، وهو ما أشار إليه السويدي نفسه في حديثه عن تجربته. وفي هذا السياق، كان حضور صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد رئيس دولة الامارات العربية المتحدة  في مسيرة المركز جزءاً من البيئة السياسية والمؤسسية التي أتاحت له النمو والتوسع.

 

بناء الجسور  بين المعرفة وصناعة القرار

 

لكن أهمية السويدي لا تختصر في قربه من دوائر القرار؛ فقيمته الأساسية تكمن في قدرته على بناء جسر بين المعرفة وصناعة القرار، وبين الإمارات ومحيطها العربي والدولي، وتحويل البحث والدراسة إلى إحدى أدوات القوة الناعمة للدولة.

 

السويدي الإنسان خلف السويدي المفكر !

 

يبدو الدكتور السويدي من خلال الصورة متلبسا بصرامة المفكر الأكاديمي ، لكن من وراء تلك الصورة تظهر شخصية إنسانية أكثر قرباً ودفئاً. فقد عُرف السويدي بعلاقاته الواسعة مع المثقفين والإعلاميين والباحثين، وبقدر من التواضع والمرونة في الحوار جعل حضوره يتجاوز حدود المنصب.

 

لا تستسلم.. خلاصة تجاربي

 

ويكتسب كتابه «لا تستسلم.. خلاصة تجاربي» أهمية خاصة في هذا الجانب، لأنه يكشف جانباً شخصياً من تجربته، ويقدم صورة عن إنسان واجه اختبارات قاسية وتمسك بالإرادة والاستمرار. وقد تناول الكتاب تجاربه وعلاقاته ومراحل من حياته، بما يجعل السيرة الشخصية امتداداً للفكرة التي حملها عنوانه: أن المعرفة والإرادة يمكن أن تكونا طريقاً لتجاوز العوائق.

 

وفي المحصلة، يصعب قراءة تجربة جمال سند السويدي بعيداً عن التحول الذي شهدته الإمارات في العقود الماضية. فقد كان واحداً من الوجوه التي آمنت بأن الدولة الحديثة لا تُبنى بالعمران والاقتصاد وحدهما، وإنما تحتاج أيضاً إلى عقل ينتج المعرفة، ومؤسسات تحفظها، ونخب قادرة على الحوار مع العالم.

 

ذلك هو حصاد السويدي الأهم: أنه لم يكتفِ بأن يكون كاتباً أو أستاذاً أو مديراً لمركز دراسات؛ بل ساهم في جعل المعرفة جزءاً من صورة الإمارات وقوتها الناعمة، وترك وراءه تجربة تؤكد أن بناء المؤسسات الفكرية قد يكون، في أثره الاستراتيجي، موازياً لبناء المؤسسات السياسية والاقتصادية.

 

المفكر لا يستقيل ولا يتقاعد عن صناعة الأسئلة

 

محمد عبد الرحمن المجتبى / المدير الناشر رئيس التحرير لمجموعة الصدى للاعلام

ولا يزال جمال سند السويدي حاضراً في المشهد الفكري، يثريه من حين إلى آخر بمقالة جديدة أو كتاب يفتح نافذة على تحولات المنطقة والعالم، وكأنه يذكّر بأن المفكر الحقيقي لا يستقيل من دوره، ولا يتقاعد عن صناعة الأسئلة، وأن العمر قد يراكم التجربة، لكنه لا يطفئ جذوة الفكر.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى