حروب المستقبل.. كيف يمكن الاستعداد لها؟ / أ.د.جمال سند السويدي

الحرب ظاهرة ملازمة للمجتمعات البشرية منذ نشأتها، وتهدف في جوهرها إلى إخضاع الخصم وتحقيق أهداف متنوعة، سياسية أو اقتصادية أو أمنية أو غيرها. وتتنوّع الحروب، حسب أطرافها وأهدافها وموقف القانون والأخلاق منها، والأسلحة المستخدمة فيها وغيرها؛ فهناك: الحروب العادلة، وحروب العدوان، والحروب الدفاعية، والحروب الهجومية، وحروب الضرورة، والحروب الاستباقية أو الوقائية، والحروب الأهلية، والحروب بالوكالة، وحروب العصابات، وحروب التحرير الوطني، والحروب الدينية، والحروب الاقتصادية، والحروب الثقافية والإعلامية، وحروب المعلومات، وغيرها.
لكن الحروب، بمختلف أنواعها، لا تسير على وتيرة واحدة وإنما تتطوّر عبر الزمن ومن مرحلة تاريخية إلى أخرى، ولذلك فقد عرف العالم، عبر تاريخه، عدة أجيال للحروب لكل جيل سماته من حيث أنواع الأسلحة وطبيعة الخطط وميادين المعارك وغيرها، حيث تميّز الجيل الأول بالحشد الكبير للقوات والمواجهات المباشرة بين الجيوش في أرض معركة محدّدة، واستخدام البنادق والمدافع البدائية، ومثالها البارز الحروب النابليونية في أوروبا في أوائل القرن التاسع عشر، أما الجيل الثاني فقد تميّز بالاعتماد على القوة النارية أكثر من الاعتماد على حشد أعداد كبيرة من الجنود، واستخدام أسلحة أكثر تطوراً ممثّلة في المدرعات الثقيلة والبنادق الآلية وغيرها، وذلك نتيجة للثورة الصناعية وما أتاحته من تطور في مجال الأسلحة، وظهر الجيل الثالث من الحروب في الحرب العالمية الثانية (1939-1945)، وتميز بالتطور الكبير للمدرعات والاعتماد الأكبر على القوات الجوية وسرعة الحركة والمفاجأة، والعمل خلف خطوط العدو، ولذلك يطلق عليها اسم الحروب الوقائية أو الاستباقية أو الحرب الخاطفة، فضلاً عن الاعتماد بشكل أكبر على الخنادق. ومع التباين بين هذه الأجيال الثلاثة من الحروب، فإنها تتفق في سمة مشتركة هي أنها كانت حروباً بين الجيوش النظامية بشكل أساسي. أمّا الجيل الرابع من الحروب فيقوم على ضرب العدو من الداخل من خلال إثارة القلاقل والتمرد والتشجيع على الحروب الأهلية والطائفية والعرقية، بحيث يتحوّل المجتمع إلى أداة لتدمير نفسه أو يغدو عدواً لنفسه، ولعلّ عنوان أحد الكتب التي صدرت عام 2016 تحت عنوان “أنت جيش عدوك.. حروب الجيل الرابع”، يلخّص بدقة مضمون هذا الجيل من الحروب وسماته، حيث تعمل مثل هذه الحروب على جعل المجتمع عدواً لنفسه بوعي أو من من دون وعي عبر دفع قواه إلى التصادم والتقاتل أو العمل ضد أمن المجتمع واستقراره بذرائع ومبررات غير حقيقية، ولعلّ المنطقة العربية تعيش هذا النوع من الحروب منذ عام 2011 في سياق ما عرف بـ”الربيع العربي”. وإضافة إلى هذه الأجيال الأربعة هناك جيل خامس من الحروب وهو الحروب الهجينة التي تجمع بين الوسائل التقليدية والوسائل غير التقليدية مثل حروب المعلومات والحروب السيبرانية وغيرها. وأهم ما يميز الجيلين الرابع والخامس من الحروب أنهما يستهدفان إطاحة الأنظمة الحاكمة ولا يعترفان بالوضع الراهن في الدول. وعلى الرغم من أن هناك سمات تميز كل جيل من هذه الأجيال من الحروب، فإن هناك تداخلاً فيما بينها بشكل أو بآخر، حيث لا يمكن وضع خطوط صارمة للفصل فيما بينها.
الحرب كالحرباء
يشبّه الجنرال والمنظّر العسكري الألماني الشهير كارل فون كلاوزفيتز (1780-1831م)، الحرب بالحرباء، في إشارة إلى تغيّرها المستمر. وعلى الرغم من أن هذا الوصف ينطبق على الحروب في كل زمان ومكان، بدرجات متفاوتة، فإن معدّل التغيرات الجذرية التي تشهدها ومن المنتظر أن تشهدها الحروب من حيث نوعية السلاح والتدريب والقيادة والتخطيط وغيرها، تجعل كلاوزفيتز وكأنه كتب هذه العبارة لزماننا على الرغم من مضي عقود طويلة عليها. وقد بلغت التغيرات في مجال الحروب والتوقعات بشأن شكل حروب المستقبل وطبيعتها حداً دفع وزير الدفاع الأميركي، جيمس ماتيس، إلى القول في فبراير 2018 إن الذكاء الاصطناعي يكشف في فكرته الأساسية عن الطبيعة الجوهرية للحرب التي لن تتغير. وفي هذا السياق فإنه يتوقع أن تكون حروب المستقبل مختلفة بشكل شبه جذري عن حروب اليوم أو الغد القريب، لأن التطور الذي حدث في مجال الأسلحة والحرب بشكل عام، على اتساعه الكبير، لا يزال جزءاً يسيراً من التطور المتوقع أو المنتظر في هذا الخصوص، وهذا يعود إلى العديد من العوامل لعلّ أهمّها:
1-التطورات التكنولوجية الكبيرة التي حدثت والتي من المتوقع أن تحدث في مجال صناعة الأسلحة والدفاع وتجهيز الجيوش، حيث يتم الحديث عن التوجه إلى استخدام الإنسان الآلي في الحروب، ما يعني تقليل الاعتماد على العنصر البشري، وقد شملت ميزانية وزارة الدفاع الأميركية لعام 2017 ثلاثة مليارات دولار لهذا الموضوع، وتطوير الطائرات من دون طيار بحيث تعتمد على نفسها بدلاً من توجيهها عن بُعد، إضافة إلى الغواصات غير المأهولة التي لا يمكن مراقبتها أو التعرف إليها، وقد أعلنت روسيا في عام 2017 إنتاج أول دبابة يتم التحكم فيها عن بعد هي “Platforma-M“، وخصصت وزارة الدفاع الأميركية في ميزانية عام 2017 (1.7) مليار دولار للنظم الإلكترونية التي توظف الذكاء الاصطناعي في الحروب، فضلاً عن ذلك فإن هناك بحثاً في الولايات المتحدة الأميركية من قبل وكالة الأبحاث الدفاعية بطلب من وزارة الدفاع حول إنتاج طلقة بندقية يتم التحكم في اتجاهها عن بعد. كما أن هناك أسلحة الليزر التي يجرى تطويرها ويطلق عليها اسم “أسلحة الطاقة”، وهي ذات تكلفة قليلة جداً مقارنة بالأنواع الأخرى من الأسلحة، وقد طلبت وكالة الدفاع الصاروخي الأميركية من “البنتاجون” 66 مليون دولار في ميزانية 2019 لتطوير أسلحة ليزر يمكن تركيبها على طائرة من دون طيار ويكون في استطاعتها تدمير الصواريخ المعادية وهي على منصة الإطلاق أو بعد إطلاقها بوقت قصير جداً. وغير ذلك الكثير من جوانب التطور التكنولوجي في مجال الأسلحة.
2- ظهور أنواع جديدة من الحروب مثل حروب الفضاء والحروب اللامتماثلة والحروب الإلكترونية أو “السيبرانية”، ما يفرض على الجيوش إعادة النظر في برامج عملها وخططها وأساليب تدريبها ونظم تسليحها.. إلخ. وقد تحدث رئيس أركان القوات الجوية الأميركية، الجنرال ديفيد جولدفين، بوضوح عن حروب الفضاء في كلمته أمام المؤتمر السنوي الرابع والثلاثين لرابطة القوات الجوية في فلوريدا في فبراير 2018، مشيراً إلى إنها مسألة وقت لكي تبدأ بلاده القتال في الفضاء الخارجي، وأنه خلال سنوات قليلة سوف تندلع حرب في الفضاء، وأن على بلاده أن تستعد لهذا النوع من الحروب.
3-التغير الذي لحق بميادين الحروب؛ وهو ما أشار إليه رئيس الأركان الأميركي، الجنرال “مارك مايلي”، في ندوة في واشنطن في يوليو 2017، حيث أكد أن أسلوب الحرب قد اختلف لأن 80%-90% من سكان العالم يعيشون في مناطق حضرية ذات كثافة سكانية عالية، في الوقت الذي لم يعد خوض الحروب يتم في الصحاري، وإنما في شوارع المدن المكتظة بالسكان. كما أصبح الفضاء الإلكتروني مجالاً لخوض الحروب أيضاً من خلال اختراق الأنظمة الإلكترونية أو تدميرها أو إرسال فيروسات مدمرة إلى الأنظمة الإلكترونية للعدو مثل فيروس “ستوكسنت” الذي ضرب البرنامج النووي الإيراني في عام 2010 وسبّب مشكلة كبيرة له، حتى أن خبيراً ألمانياً في مجال الحاسوب، هو رالف لانجر، قال في حينها، إن هذا الفيروس قد أعاد البرنامج النووي الإيراني سنتين إلى الوراء.
4-تزايد دور الفواعل من غير الدول في مجال الحروب، وهذا لن يجعل الجيوش النظامية هي الفاعل الوحيد في حروب المستقبل، حيث يتوقع زيادة دور الشركات الخاصة أو ما يطلق عليه اسم المتعاقدين الخاصين. وعلى الرغم من أن الولايات المتحدة الأميركية كانت سبّاقة في هذا الاتجاه من خلال شركة “بلاك ووتر” الخاصة في العراق بعد عام 2003، فإن المستقبل يحمل الكثير من التطورات المتوقعة في هذا الخصوص، بحيث يتحول المتعاقدون الخاصون إلى عنصر أساسي في هيكل القوات المسلحة في الدول المختلفة. فضلاً عن ذلك فإن الدولة لم تعد الطرف الوحيد صاحب قرار إعلان الحرب أو إطلاقها، وإنما أصبح هناك جماعات أو أحزاب لديها قوة عسكرية ويمكنها التحكم في قرار الحرب والسلام، مثل “حزب الله” في لبنان، وحركة “حماس” في غزة، وتنظيم “القاعدة” وتنظيم “داعش” وغيرها.
5- التكلفة المالية العالية للتسلح والتحولات التي لحقت بطبيعة الحروب والتطورات التكنولوجية، تدفع في اتجاه الاعتماد على جيوش أقل عدداً وأكثر فاعلية، أي الاهتمام بالنوع وليس الكم، وهذا من شأنه أن يغيّر معايير أو مقاييس القوة بالنسبة إلى الدول المختلفة، حيث لن يكون العدد الكبير للجيوش معياراً لقوتها بل ربما يصبح مصدراً لضعفها وعبئاً عليها. فضلاً عن ذلك فإن الاعتماد على المدرعات والدبابات والأسلحة الثقيلة ربما تقل أهميته بشكل كبير خلال السنوات المقبلة لمصلحة أنواع جديدة من الأسلحة تتناسب مع التغير في ميادين الحروب “من الصحاري إلى المدن والفضاء الإلكتروني” ونوعيتها “الحروب السيبرانية واللامتماثلة وحروب الفضاء والحروب عن بُعد والحروب الهجينة وغيرها”.
وفي ضوء ما سبق يمكن الحديث عن سمات أساسية لجيوش المستقبل وحروبه أهمّها: أنواع جديدة من الحروب والأسلحة تقلل الاعتماد على البشر، وجيوش أقل عدداً لكن أكثر فاعلية، وتغيّر ميادين الحروب وأدواتها التي لن تكون البنادق والطائرات والصواريخ فقط وإنما أيضاً أجهزة الحاسوب ووسائل الإعلام بل والبيئة “إحداث زلازل وبراكين في أرض العدو”، أيضاً، ما يجعل الحروب أقل دماءً ولكن أكثر خسائر وتدميراً.
تحولات..ومتطلبات
إن هذه التحولات في مجال الأسلحة والحروب التي يتوقع أن تتزايد في المستقبل، تحتاج من القائمين على الجيوش، خاصة في المنطقة العربية، إلى الآتي:
1-إعادة النظر في نظم التسليح الحالية، بحيث يكون الاهتمام بنوعية السلاح وليس كميته، والتركيز على الأسلحة غير المأهولة وغيرها من الأمور الأخرى.
2-إعادة النظر في نظم التدريب والتخطيط ومناهج الدراسة في الأكاديميات العسكرية، بحيث تراعي التغيرات في طبيعة الحروب وميادينها وأطرافها وأنواع الأسلحة.
3- مراجعة نظريات الأمن القومي، خاصة فيما يتعلق بطبيعة المخاطر الخارجية ومصادر التهديد وطبيعة التحالفات وغيرها.
4- تطوير المعدات العسكرية القديمة من خلال مدّها بالتكنولوجيا الحديثة ما يجعلها صالحة للتكيّف مع التطورات في مجال السلاح، خاصة إذا كان عدد هذه المعدات القديمة كبيراً.
5- بالنظر إلى أن مواجهة المخاطر التي تهدد الأمن الوطني للدول في ظل التطور الكبير في مجال الأسلحة وأنواع الحروب تنطوي على صعوبات وتعقيدات كبيرة، فإنه من المهم الأخذ في الاعتبار أن التصدي الفاعل لهذه المخاطر لن يكون ممكناً إلا من خلال التعاون والشراكة سواء على المستوى الإقليمي أو المستوى الدولي.
6-الاهتمام بالأبعاد القانونية والأخلاقية لحروب المستقبل خاصة فيما يتعلق بالروبوتات العسكرية، والأسلحة غير المأهولة، حيث يُتوقع أن تثير مثل هذه المسائل إشكاليات قانونية وأخلاقية كبيرة خلال السنوات القادمة سوف يكون لها تداعياتها على الحروب وحدود الاستفادة من الذكاء الاصطناعي فيها. وثمة نقاشات في الغرب حول الجوانب الأخلاقية والقانونية للذكاء الاصطناعي واستخداماته بما في ذلك الاستخدامات العسكرية، ومن الضروري أن يكون العالم العربي على وعي بهذه النقاشات ومآلاتها، لأن هذا هو أحد المتغيرات المهمة التي تؤثر في طريقة التفكير في تطوير الجيوش وأدوات هذا التطوير وآلياته خلال السنوات القادمة.
روبوتات عسكرية
في أبريل 2018 تحدثت الأنباء عن توقيع 50 أكاديمياً من دول مختلفة في العالم خطاباً يدعون فيه إلى مقاطعة “معهد كوريا المتطور للعلوم والتكنولوجيا” وشركة “هانوها سيستمز” لأنظمة الدفاع، بعد التقارير عن اتفاق بين الجهتين لتطوير روبوتات عسكرية قاتلة، وهذا يُذكّرني بالتحذيرات التي أطلقها عالم الفيزياء الأميركي ألبرت آينشتاين ورفاقه في القرن الماضي من تطوير السلاح النووي وخطورته على البشرية. وإذا كانت تحذيرات آينشتاين لم توقف الاندفاع نحو إنتاج أسلحة الدمار الشامل، فإن تقديري أن التحذيرات من خطورة استخدام الذكاء الاصطناعي في مجال الحروب، لن تؤدي إلى أي تأثير، ولن توقف شركات الأسلحة عن المضي قدماً في تطوير أكثر أنواع الأسلحة خطورة وفتكاً ولا أخلاقية ولا إنسانية. ولذلك من المهم التعامل مع هذه القضية على هذا الأساس، والاستعداد لتحولات دراماتيكية كبرى في مجال حروب المستقبل، بصرف النظر عن مخاوف العلماء والباحثين أو تحذيراتهم، لأن التاريخ يُعلمنا أن مثل هذه المخاوف لا حساب لها عند شركات الأسلحة التي تبحث عن مليارات الدولارات، أو أمام رغبة التفوق وامتلاك القوة الخارقة لدى القوى الكبرى والصغرى على حدّ سواء.
نقلا عن الاتحاد الاماراتية




