الأخبارفضاء الرأي

حين ينتصر القانون: تجربة ولد أحمد تلمود بين الفصل التعسفي وحكم العدالة في مدريد/ احمد ولدالدوه

يمثل مسار انجيان ولد أحمد تلمود نموذجًا عمليًا لفكرةٍ كثيرًا ما تُردد نظريًا: أن الحقوق تُنتزع عبر القانون لا عبر النفوذ.

 هذا الشاب الشنقيطي، الذي نشأ في بيئة علمٍ وأخلاق،وعزة ن

احمدالدوه \محرر في صحيفة الصدى الموريتانية
احمد ولدالدوه:محرر في صحيفة الصدى الموريتانية

فس لم يصل إلى موقعه المهني عبر وساطات قبلية أو جهوية أو زبونية سياسية، بل عبر مسار وظيفي تشهد عليه سيرته العملية وشهادات من عملوا معه.

فقد عُرف، بشهادة زملائه في القنصلية والسفارة، بالانضباط والجدية وحسن خدمة المراجعين. 

 

ولم تُسجل عليه مآخذ مهنية معلنة قبل قرار فصله. وعندما تعرّض لما اعتبره فصلًا تعسفيًا، لم يلجأ إلى حملات التشهير أو تصفية الحسابات في الفضاء العام، بل اختار الطريق الأصعب والأكثر احترامًا: الاحتكام إلى القضاء.

 

تقدّم بدعواه أمام المحكمة الاجتماعية المختصة في مدريد، متمسكًا بالإجراءات القانونية، ومستندًا إلى القواعد التي تنظّم علاقة العمل وتحمي الأجير من الفصل غير المعلل.

 

 وقد صدر حكم المحكمة الاجتماعية رقم 43 في مدريد باعتبار فصله تعسفيًا، على أساس أن خطاب الفصل جاء عامًا وخاليًا من التعليل الكافي، وهو ما يخالف المبادئ المستقرة في قانون العمل الإسباني التي توجب بيان الأسباب بشكل واضح ومحدد حتى يتمكن العامل من ممارسة حقه في الدفاع.

 

هذا الحكم لم يكن موقفًا عاطفيًا ولا انتصارًا لشخص بقدر ما كان تطبيقًا لقاعدة قانونية: القرار الإداري أو الوظيفي الذي لا يُعلّل تعليلًا كافيًا يعرّض نفسه للإلغاء أو الوصف بعدم المشروعية. 

 

وهنا تتجلى قيمة ما يعرف في الفقه القانوني بمبدأ “تسبيب القرارات” بوصفه ضمانة أساسية للعدالة والشفافية.

إن الفارق بين البيئات القانونية يتضح في مثل هذه الوقائع. ففي الدول التي تُفعل فيها النصوص، تخضع قرارات المسؤولين لرقابة القضاء، ويُحمى حق الدفاع، وتُراجع الإجراءات بمعايير موضوعية. 

 

أما حين تضعف المساءلة، فقد يُطلب من المظلوم الصمت بدعوى المصلحة العامة أو الحفاظ على الهيبة.

ولذلك قيل في الأثر: “إن الله يقيم الدولة العادلة وإن كانت كافرة، ولا يقيم الدولة الظالمة وإن كانت مسلمة”، وهي مقولة اشتهرت بمعناها الدال على أن بقاء الدول مرتبط بالعدل لا بالشعارات. 

 

كما أن الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه قرر قاعدة خالدة بقوله: “متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارًا”، في تأكيد أن الكرامة أصل لا منّة.

وعظمة الدولة لا تقاس بسعة سلطانها، بل بقدرتها على إخضاع نفسها للقانون قبل إخضاع الناس له. 

 

وقد لخّص الفقه الدستوري الحديث هذه الفكرة في مفهوم “سيادة القانون”، حيث تكون قوة الدولة نابعة من استقلال قضائها، لا من تغول سلطتها. وقد قيل “اعطني قضاءا عادلا اعطيك دولة قوية”

 

تجربة انجيان ولد أحمد تلمود تؤكد أن اللجوء إلى القضاء ليس ضعفًا، بل ثقة في مؤسسة العدالة. 

 

وهي تذكير بأن الحق لا يضيع ما دام وراءه مطالب يسلك المسار القانوني الصحيح، وأن العدالة ليست شعارًا يُرفع، بل حكمًا مُعللًا يصدر باسم القانون، فينصف المظلوم ويؤكد أن الدولة القوية هي الدولة العادلة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى