ولد بلعمش في الذاكرة العربية: حين يتحول الشعر إلى خطاب ثقافي وسياسي عابر للحدود /أحمد محمد حماده

أحمد محمد حماده — كاتب ومحلل سياسي
لا يمكن قراءة تكريم الشاعر الموريتاني الراحل ولد بلعمش في معرض دمشق الدولي للكتاب ضمن فعالية «شخصيات راحلة» بوصفه مجرد احتفاء أدبي أو استعادة لاسم شعري غاب عن المشهد، بل يتجاوز ذلك ليشكل حدثاً ثقافياً وسياسياً ذا حمولة رمزية كثيفة، يعكس طبيعة العلاقة المركبة بين الثقافة والسلطة والهوية في الفضاء العربي المعاصر.
ولا يخفي كاتب هذه السطور إعجابه الشخصي بتجربة الراحل، إذ أتيحت له فرصة التعرف عليه عن قرب في مدينة نواذيبو، حيث لمس فيه تواضع الشاعر وعمق الإنسان قبل قوة النص. فقد كان حضوره الإنساني يوازي حضوره الشعري، وكانت رؤيته للحرية والالتزام نابعة من تجربة وجودية صادقة، لا من مجرد خطاب أدبي عابر، وهو ما منح شعره صدقية خاصة وأثرًا بالغاً في محيطه الثقافي.
ففي سياق التحولات التي يعيشها العالم العربي، حيث تتداخل السرديات الثقافية مع الرهانات السياسية، يكتسب تكريم شاعر ارتبط اسمه بقضايا الحرية بعداً يتجاوز الاعتراف الأدبي إلى مستوى إنتاج المعنى الرمزي وإعادة تشكيل الذاكرة الجماعية.
إن الاحتفاء بولد بلعمش يعيد الاعتبار إلى مفهوم «الأدب الملتزم» بوصفه ممارسة ثقافية تجمع بين الجمالية الفنية والموقف الأخلاقي. فالشاعر هنا لا يُستحضر بوصفه منتجاً للنصوص، بل باعتباره فاعلاً في المجال العام، وصوتاً يعبر عن الضمير الجمعي للأمة. ويعكس ذلك استمرار مركزية الشعر في الثقافة العربية بوصفه أداة للتعبير عن القضايا الكبرى، وحاملاً للوعي الاجتماعي والسياسي، في مواجهة تحولات ثقافية تميل نحو الاستهلاك والسطحية.
كما يكشف هذا التكريم عن عمق الوحدة الثقافية العربية التي تتجاوز الحدود الجغرافية والسياسية. فاستحضار شاعر موريتاني في دمشق لا يمثل مجرد تقاطع ثقافي، بل يعكس تصوراً للفضاء العربي باعتباره مجالاً رمزياً مشتركاً تتداخل فيه الهويات والتجارب التاريخية. وهو ما يؤكد أن الثقافة تظل أحد أبرز مجالات إنتاج التضامن العربي وإعادة بناء المشترك الحضاري، رغم تباين السياقات الوطنية واختلاف التجارب السياسية.
ومن جهة أخرى، يحمل هذا الاحتفاء اعترافاً ضمنياً بحضور موريتانيا الثقافي في المشهد العربي، وترسيخاً لصورتها بوصفها حاضنة للثقافة العربية الكلاسيكية وفضاءً حافظ على تقاليد الشعر العربي وأصالته. فتكريم شاعر موريتاني في محفل ثقافي مشرقي يعكس إعادة توزيع للرمزية الثقافية داخل العالم العربي، ويعيد التوازن بين أطرافه الجغرافية في إنتاج المعنى الثقافي.
غير أن الدلالة الثقافية لا تنفصل عن بعدها السياسي. إذ يشير اختيار شاعر ارتبط اسمه بقضايا الحرية إلى توظيف الثقافة بوصفها قوة رمزية ناعمة قادرة على إنتاج الخطاب وتوجيه الوعي. فالمؤسسات الثقافية، من خلال هذا النوع من الفعاليات، لا تكتفي بإحياء الذاكرة الأدبية، بل تسهم في تشكيل السرديات السياسية وإعادة إنتاج رموزها داخل المجال العام.
وفي هذا السياق، يتحول الشعر إلى أداة للتعبير السياسي غير المباشر، وتصبح الذاكرة الثقافية مجالاً لإعادة تعريف القيم والمرجعيات، وهو ما يعكس خصوصية الثقافة العربية التي ظل فيها الأدب تاريخياً مرتبطاً بالسلطة والهوية والصراع، ولم يكن مجرد نشاط جمالي منفصل عن الواقع.
غير أن هذا الاحتفاء الخارجي يطرح في المقابل سؤالاً مشروعاً حول موقع ولد بلعمش في الذاكرة الوطنية الموريتانية، وحول حجم العناية الرسمية بإرثه الشعري والرمزي. فالقامات الثقافية الكبرى لا تُصان مكانتها فقط عبر الاعتراف العربي والدولي، بل عبر تثبيت حضورها في الوعي الوطني، وصون إرثها ضمن السياسات الثقافية للدولة.
ومن هنا تبدو الحاجة ملحّة إلى مبادرات رسمية تعيد الاعتبار لتجربة هذا الشاعر، من خلال تخليد اسمه في المؤسسات الثقافية، وتشجيع الدراسات الأكاديمية حول إنتاجه، وتنظيم فعاليات دورية تستحضر تجربته الشعرية والفكرية، بما يليق بمكانته في المشهد الثقافي العربي. فتكريم الرموز الثقافية ليس مجرد فعل رمزي، بل هو استثمار في الذاكرة الوطنية وتعزيز للهوية الحضارية.
وعلى هذا الأساس، يمكن القول إن تكريم ولد بلعمش يمثل لحظة تتقاطع فيها الثقافة مع السياسة، والذاكرة مع الهوية، والشعر مع الفعل الاجتماعي. فهو تكريم لشاعر، لكنه في الوقت ذاته تكريس لنموذج المثقف صاحب الرسالة، وإعادة تأكيد لدور الثقافة في بناء الوعي الجماعي وتشكيل المخيال السياسي العربي.

وهكذا يتحول الشاعر الراحل من تجربة فردية إلى رمز ثقافي عابر للحدود، ومن صوت شعري إلى علامة دالة على استمرار التفاعل بين الإبداع والالتزام، وبين الجمال والموقف، في الثقافة العربية المعاصرة.




