المؤاخاة الوطنية… حين تتحول الدعوة إلى مشروع وحدة حقيقي /أحمد ولد الدوه الشنقيطي

تعقيبًا على دعوة الداعية الأستاذ عبد الله صار إلى أن يُؤاخي كلُّ بيظانيٍّ أخاه من الفلان أو السونكي أو الولوف، وأن يتعلّم لغته وثقافته بما يعزّز الوحدة الوطنية، يمكن القول إن هذه المبادرة تلامس جوهر الإشكال الوطني من زاوية اجتماعية وأخلاقية عميقة.
فالوحدة الوطنية لا تُبنى عبر النصوص الدستورية أو الخطابات الرسمية فحسب، بل تتشكّل في تفاصيل الحياة اليومية؛ في اللغة التي نحترمها، والثقافة التي نتعرّف عليها، والجسور الإنسانية التي نقيمها بعيدًا عن حسابات العرق والقبيلة والانتماء الضيق.
وحين تصدر الدعوة من داعية صادق خَبِرَ المجتمع عن قرب، إلى مؤاخاة عابرة للمكوّنات، فإنها تنقل النقاش من مربع التنافس الهوياتي إلى فضاء التعارف والتكامل، وتعيد ترتيب الأولويات من منطق الاصطفاف إلى منطق الشراكة.
إن تعلّم لغة الآخر ليس مجرد اكتساب أداة تواصل، بل هو اعتراف ضمني بقيمته وحقه في الحضور والمشاركة.
كما أن الانفتاح على ثقافته لا يعني الذوبان في هويته، وإنما يوسّع أفق الذات الوطنية الجامعة ويعمّق إدراكها لتعدديتها.
بهذا المعنى، تتحول الدعوة إلى مشروع أخلاقي لبناء الثقة المتبادلة، وتفكيك الصور النمطية، وردم فجوات تاريخية تراكمت بفعل سوء الفهم أو التهميش أو التسييس.

غير أن نجاح مثل هذه المبادرات يظل مرهونًا بقدرتها على الانتقال من مستوى الخطاب الفردي إلى سلوك اجتماعي واسع، تدعمه المدرسة والإعلام والمسجد والنخب الثقافية، وتواكبه سياسات عمومية عادلة تُشعر الجميع بأنهم شركاء متساوون في الوطن، وفي الفرص، وفي الكرامة.
فالوحدة الوطنية ليست شعارًا يُرفع عند الأزمات، بل ثقافة تُبنى بصبر، وعدالة تُمارس باستمرار، ومؤاخاة صادقة تُترجم إلى واقع يومي يعكس معنى الوطن الجامع.




