الأخبارفضاء الرأي

الأمن القومي العربي في ظل العدوان الأمريكي الإسرائيلي على إيران: اختبار الاستقلال الاستراتيجي: أحمد محمد حماده

الاستاذ:احمد ولد محمد حمادة
أحمد محمد حماده — كاتب ومحلل سياسي

في خضم التصعيد العسكري الأخير والعدوان الذي تقوده الولايات المتحدة الأمريكية بالتنسيق مع “إسرائيل” ضد إيران، يجد العالم العربي نفسه أمام لحظة كاشفة لا تتعلق فقط بتوازنات القوى الإقليمية، بل بجوهر مفهوم الأمن القومي العربي ذاته. فالحرب الدائرة ليست شأناً ثنائياً بين أطرافها المباشرة، بل حدثاً استراتيجياً يعيد طرح سؤال الاعتماد على الخارج مقابل بناء منظومة دفاعية واقتصادية ذاتية.

 

أولاً: المنطقة كساحة صراع لا كفاعل مستقل

 

 

تكشف هذه المواجهة أن الإقليم ما زال يُدار، في لحظات الحسم، بمنطق الصراع بين القوى الكبرى وتحالفاتها. فحين تتصاعد المواجهة بين واشنطن و”تل أبيب” من جهة وطهران من جهة أخرى، تتحول دول المنطقة إلى مساحات عبور للرسائل العسكرية والسياسية، وممرات حيوية للطاقة، وقواعد ارتكاز للعمليات.

هذا الواقع يضع الدول العربية أمام معادلة حرجة: فهي جغرافياً في قلب الحدث، واقتصادياً معنية باستقرار أسواق الطاقة، وأمنياً مرتبطة بشبكات تحالف مع أحد أطراف الصراع. لكنها في الوقت ذاته ليست صاحبة قرار في مسار التصعيد أو التهدئة.

 

ثانياً: الخليج بين المظلة الأمريكية ومخاطر الانكشاف

 

تتجلى هذه الإشكالية بوضوح في دول الخليج العربي، حيث تبلورت منذ عقود معادلة أمنية قوامها الاعتماد شبه الكلي على المظلة الأمنية التي توفرها الولايات المتحدة الأمريكية، سواء عبر القواعد العسكرية المنتشرة في المنطقة، أو من خلال اتفاقيات الدفاع الثنائي، أو عبر صفقات تسليح ضخمة تُبقي منظومات الدفاع الجوي والبحري والبرّي مرتبطة تقنياً ولوجستياً بواشنطن.

في سياق العدوان الأمريكي–الإسرائيلي على إيران، يصبح هذا الاعتماد سيفاً ذا حدين: فمن جهة يوفر ردعاً تقليدياً ويعزز الحماية ضد أي امتداد للصراع، ومن جهة أخرى يجعل أراضي بعض الدول الخليجية جزءاً من الحسابات العسكرية، ما يعرّضها لاحتمالات الرد أو التصعيد غير المباشر.

 

وفي ضوء هذه المعادلة، يبرز طرح مراجعة الاتفاقيات العسكرية مع الولايات المتحدة الأمريكية بوصفه خياراً سيادياً لا يستهدف القطيعة بقدر ما يسعى إلى إعادة التوازن. فإعادة تقييم طبيعة القواعد العسكرية، وصياغة أطر زمنية أو تشغيلية أكثر وضوحاً، وتعزيز مبدأ نقل التكنولوجيا وبناء القدرات المحلية، يمكن أن يحوّل العلاقة من صيغة حماية مفتوحة إلى شراكة مشروطة بالمصالح المتبادلة. كما أن الحد التدريجي من الوجود العسكري الأجنبي في بعض دول الخليج، بالتوازي مع تطوير صناعات دفاعية وطنية ومنظومات ردع إقليمية مشتركة، قد يمنح هذه الدول هامشاً أوسع في إدارة أزماتها بعيداً عن منطق الاستقطاب الحاد. فالمعادلة لم تعد بين الوجود الكامل أو الانسحاب الكامل، بل بين تبعية استراتيجية طويلة الأمد وسيادة متدرجة تُبنى بخطوات محسوبة.

 

ثالثاً: مقارنة مع الحالة التركية – اختلاف السياق والبنية

تختلف طبيعة الوجود العسكري لـالولايات المتحدة الأمريكية في الخليج العربي عن وجودها في تركيا من حيث الوظيفة والسياق الاستراتيجي وحدود السيادة. ففي الخليج يرتبط الانتشار العسكري الأمريكي أساساً بضمان أمن الطاقة وحماية الأنظمة الحليفة وردع الخصوم الإقليميين، وغالباً ما يقوم على اتفاقيات دفاع ثنائية تجعل المظلة الأمريكية جزءاً مركزياً من معادلة الأمن الوطني لتلك الدول.

 

أما في تركيا، فإن الوجود الأمريكي يندرج ضمن إطار تحالفي مؤسساتي أوسع بحكم عضوية أنقرة في حلف شمال الأطلسي، ما يجعله جزءاً من بنية دفاع جماعي متعددة الأطراف، لا علاقة حماية أحادية الاتجاه. كما أن تركيا تمتلك قاعدة صناعية عسكرية متنامية وقدرة تفاوضية أكبر داخل المنظومة الأطلسية، وهو ما يمنحها هامش استقلال أوسع في إدارة علاقتها بواشنطن مقارنة ببعض دول الخليج التي يبقى أمنها أكثر التصاقاً بالقرار الأمريكي المباشر.

 

رابعاً: المصالحة الإقليمية كمسار موازٍ

 

وفي موازاة إعادة ترتيب العلاقات الأمنية مع القوى الكبرى، يبرز خيار السعي إلى مصالحة إقليمية مع إيران بوصفه مساراً مكمّلاً لا بديلاً عن بناء القوة الذاتية. فخفض منسوب التوتر مع طهران، عبر قنوات حوار مباشر واتفاقات عدم اعتداء وترتيبات أمن بحري مشتركة، يمكن أن يقلل احتمالات الانزلاق إلى مواجهات مفتوحة تُستنزف فيها مقدرات المنطقة.

 

إن التجارب الأخيرة في الانفتاح الدبلوماسي بين بعض العواصم الخليجية وإيران أظهرت أن إدارة الخلاف ممكنة حين تتوفر الإرادة السياسية. والمصالحة هنا لا تعني تطابق الرؤى أو إنهاء التنافس الجيوسياسي، بل تعني تأطيره ضمن قواعد اشتباك منضبطة تحول دون تحوّل المنطقة إلى ساحة حرب بالوكالة. فكلما توسعت مساحات التفاهم الإقليمي، تراجع مبرر الارتهان للحماية الخارجية، وتعززت فرص بناء منظومة أمن جماعي تنبع من داخل الإقليم نفسه.

 

خامساً: الأمن كسلعة مستوردة في زمن الحروب المفتوحة

أظهرت الأزمة أن معظم المنظومات الدفاعية العربية، رغم كلفتها الباهظة، تظل مرتبطة تقنياً وسياسياً بالدول المصنعة. وفي حال اتساع رقعة المواجهة، قد تتحول سلاسل الإمداد وقطع الغيار والدعم الفني إلى أدوات ضغط.

 

إن الأمن المستورد يفتقر إلى عنصر الاستقلال التشغيلي الكامل. وفي زمن الحروب المركبة – حيث تتداخل الصواريخ والطائرات المسيّرة والهجمات السيبرانية – تصبح الحاجة إلى قاعدة صناعية وتكنولوجية وطنية أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى.

 

سادساً: الاقتصاد كخط دفاع أول

 

لا يقل البعد الاقتصادي خطورة عن البعد العسكري. فالتصعيد بين واشنطن و”تل أبيب” من جهة وطهران من جهة أخرى يهدد الملاحة البحرية، وأسواق الطاقة، وسلاسل الإمداد. والدول التي تعتمد على مورد واحد أو على استيراد غذائها وتكنولوجيتها ستجد نفسها أكثر هشاشة أمام الصدمات.

الأمن القومي في هذا السياق ليس مجرد حماية للحدود، بل قدرة على امتصاص الصدمات الاقتصادية، وتأمين الغذاء والطاقة، والحفاظ على الاستقرار الاجتماعي في أوقات الاضطراب.

 

سابعاً: الغائب الأكبر – التكامل العربي

 

رغم خطورة اللحظة، لا يظهر في الأفق إطار عربي جماعي فاعل لإدارة تداعيات التصعيد. كل دولة تتعامل وفق حساباتها الوطنية الضيقة، في حين أن التحديات عابرة للحدود.

لو وُجدت منظومة دفاعية عربية مشتركة، وسوق اقتصادية أكثر اندماجاً، وقدرات بحثية وتقنية متكاملة، لكان هامش المناورة أوسع، ولأصبح العالم العربي رقماً صعباً في معادلة التوازن، لا مجرد ساحة تتقاطع فوقها الصواريخ والرسائل السياسية.

 

ثامناً: ما بعد الحرب – إعادة رسم التوازنات أم تكريس الهشاشة؟

 

مهما كانت مآلات المواجهة بين الولايات المتحدة الأمريكية و”إسرائيل” من جهة وإيران من جهة أخرى، فإن مرحلة ما بعد الحرب لن تعني عودة تلقائية إلى ما كان عليه الوضع سابقاً. فالحروب الكبرى لا تنتهي عند وقف إطلاق النار، بل تبدأ بعدها معركة إعادة التموضع الاستراتيجي.

 

قد نشهد سباق تسلح إقليمي أكثر حدة، أو إعادة توزيع للأدوار الأمنية، أو حتى تفاهمات جديدة تُعيد صياغة قواعد الاشتباك في الخليج وشرق المتوسط. وفي كل السيناريوهات، ستجد الدول العربية نفسها أمام خيارين: إما الاستمرار في منطق الارتهان للتحالفات الخارجية بانتظار الضمانات، أو استثمار لحظة التحول لبناء مقاربة أمنية جماعية تقلص الاعتماد الأحادي وتؤسس لردع إقليمي متوازن.

 

فمرحلة ما بعد الحرب ستكون اختباراً لقدرة النظام العربي على التعلم من الصدمة، لا مجرد التعايش معها.

العدوان الأمريكي–الإسرائيلي على إيران ليس مجرد حدث عسكري عابر، بل اختبار حقيقي لمدى قدرة العالم العربي على الانتقال من منطق الاحتماء بالآخر إلى منطق بناء الذات.

 

ففي عالم تتغير فيه التحالفات بسرعة، لا يكفي أن تكون قريباً من القوة العظمى، بل يجب أن تمتلك من عناصر القوة ما يحصنك إذا تبدلت الحسابات. الأمن القومي العربي، في ظل هذه العاصفة، لم يعد خياراً مؤجلاً، بل ضرورة استراتيجية تفرض إعادة بناء المفهوم من جذوره: اقتصاد منتج، صناعة دفاعية، تكامل إقليمي، وإرادة سياسية ترى في الاستقلال الاستراتيجي شرطاً للبقاء لا شعاراً خطابياً.

 

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى