الأخبارالاقتصاد والتنمية

أسعار الوقود بين حسابات السوق وضغوط الحرب الإقليمية/ أحمد محمد حماده – 

الاستاذ:احمد ولد محمد حمادة
أحمد محمد حماده — كاتب ومحلل سياسي

في لحظات الاضطراب الكبرى، لا تبقى الحروب حبيسة الجبهات، بل تمتد ظلالها إلى موائد الناس ومحطات الوقود وأسواق الخضر. ومن هذا المنظور، لا يمكن قراءة تعديل أسعار المحروقات في نواكشوط بمعزل عن أصداء الحرب الأمريكية الإسرائيلية الإيرانية التي اندلعت قبل أيام، وأعادت أسواق الطاقة العالمية إلى مربع القلق والترقب.

وقد أعلنت اللجنة الوطنية للمحروقات أن الزيادة الجديدة أصبحت سارية المفعول ابتداءً من الساعة صفر من اليوم الموالي لتوقيع القرار رقم 02/2026 الصادر بتاريخ 02 مارس 2026، المحدد للأسعار القصوى لبيع المنتجات البترولية السائلة، مع إلغاء جميع القرارات السابقة المخالفة.

ووفقًا للقرار، بلغ سعر لتر البنزين في نواكشوط 511,2 أوقية قديمة، مقابل 512,3 أوقية قديمة للمازوت، و477 أوقية قديمة للغازوال. أما في نواذيبو فتراوحت الأسعار بين 507,5 أوقية قديمة للبنزين و500 أوقية قديمة للمازوت. وفي مدن الداخل، حيث تتأثر الأسعار بتكاليف النقل والتموين، وصل سعر البنزين في النعمة إلى 526,0 أوقية قديمة والمازوت إلى 527,3، وفي كيفه 518,8 و520,0 على التوالي، وفي أطار 516,3 و517,6.

قد تبدو الأرقام في ظاهرها مجرد فروقات حسابية بين مدينة وأخرى، لكنها في جوهرها تعكس بنية اقتصادية تتأثر بعاملين أساسيين: الارتباط بالأسواق العالمية من جهة، وكلفة النقل الداخلي من جهة أخرى. فالفوارق بين العاصمة ومدن الداخل ليست تفصيلاً عابرًا، بل مؤشرًا على ثقل المسافات في اقتصاد مترامي الأطراف.

الغازوال والمازوت ليسا مجرد منتجين طاقويين؛ إنهما وقود الحركة التجارية وسلاسل الإمداد. وأي زيادة فيهما، ولو بدت محدودة رقميًا، تتسلل تدريجيًا إلى تكلفة نقل السلع الأساسية، ومن ثم إلى أسعارها النهائية. وفي اقتصاد يعتمد بشكل معتبر على الاستيراد، يصبح تأثير هذه الزيادات مضاعفًا، خاصة في ظل مناخ دولي يتسم بالتقلب وعدم اليقين.

في المقابل، قد يُنظر إلى توازن الأسعار بين البنزين والمازوت كنوع من المعالجة التقنية التي تراعي اعتبارات السوق، غير أن حساسية الظرف الإقليمي تجعل من كل تعديل سعري حدثًا ذا أبعاد تتجاوز الإطار المحلي. فالحرب الدائرة في قلب منطقة الطاقة العالمية لا تؤثر فقط في خطوط الملاحة والإمدادات، بل في نفسية الأسواق وحسابات المضاربة، وهو ما ينعكس سريعًا على الدول غير المنتجة للنفط.

أما على مستوى المستهلك، فإن التعاطي الواعي مع هذه التطورات يظل عنصرًا مهمًا في تقليص آثارها. فترشيد استهلاك الوقود، وتنظيم التنقلات، واعتماد وسائل نقل جماعية متى أمكن، كلها خطوات عملية لتخفيف العبء. كما أن تجنب ردود الفعل المبالغ فيها أو التخزين بدافع القلق يسهم في الحد من موجات ارتفاع غير مبررة. فالسوق يتأثر بالسلوك الجماعي بقدر ما يتأثر بالقرارات الرسمية.

التحدي الحقيقي اليوم لا يكمن فقط في تحديد الأسعار، بل في إدارة انعكاساتها الاجتماعية. فالفئات ذات الدخل المحدود هي الأكثر هشاشة أمام أي موجة تضخمية، ما يفرض يقظة تنظيمية تحول دون استغلال الظرف لرفع أسعار سلع وخدمات بنسب تفوق الزيادة الفعلية في الكلفة.

إن اقتصادات بحجم الاقتصاد الموريتاني لا تستطيع عزل نفسها عن ارتدادات الجغرافيا السياسية، لكنها تستطيع إدارة آثارها بقدر من العدالة والكفاءة. فالمسألة في نهاية المطاف ليست مجرد 511 أوقية هنا أو 520 هناك، بل رؤية اقتصادية قادرة على التوفيق بين ضرورات السوق ومتطلبات الاستقرار الاجتماعي. وبين حسابات السوق وضغوط الحرب الإقليمية، يبقى السؤال مطروحًا: هل نملك من أدوات الاستباق ما يكفي لتحويل الأزمات الخارجية إلى فرصة لتعزيز مناعة اقتصادنا الوطني؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى