الأخبارفضاء الرأي

عيد الفطر في موريتانيا… فرحة تُقاوم ضيق العيش :احمد محمد حماده 

الاستاذ:احمد ولد محمد حمادة
أحمد محمد حماده — كاتب ومحلل سياسي

في موريتانيا، يأتي عيد الفطر هذا العام، كما في أعوام كثيرة، محمّلًا بفرحتين متداخلتين: فرحة إتمام الصيام، وفرحة التمسك بالأمل رغم صعوبة العيش. فبين ارتفاع الأسعار، وضيق فرص العمل، وتزايد الأعباء اليومية، يجد كثير من الأسر نفسها أمام تحدٍ حقيقي: كيف تفرح بالعيد دون أن تثقل كاهلها بما لا تطيق؟

وقد وجّه الإسلام إلى اليسر ورفع الحرج، قال تعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾، وقال أيضًا: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾.

لقد أصبح العيد عند البعض موسمًا للقلق بدل أن يكون موسمًا للراحة. فمتطلبات الملابس الجديدة، وتحضير المائدة، واستقبال الضيوف، كلها أمور تضغط على ميزانيات محدودة أصلًا. وفي ظل هذه الظروف، قد يلجأ البعض إلى الاستدانة أو التضحية باحتياجات أساسية فقط ليحافظ على “صورة العيد” كما اعتادها المجتمع.

غير أن النبي ﷺ حذّر من التكلف، فقال: «إِنَّ الدِّينَ يُسْرٌ» (رواه البخاري)، مما يؤكد أن المبالغة التي تُثقل الإنسان تخالف روح الشريعة.

غير أن الواقع يفرض علينا إعادة النظر في هذه الصورة. فالعيد، في جوهره، لا يقاس بحجم المصاريف، بل بصدق المشاعر. وفي مجتمع كالمجتمع الموريتاني، الذي عُرف تاريخيًا بالتكافل والتراحم، يمكن للبساطة أن تكون مصدر قوة لا ضعف.

وقد قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا﴾، وقال النبي ﷺ: «كُلُوا وَاشْرَبُوا وَتَصَدَّقُوا فِي غَيْرِ سَرَفٍ وَلَا مَخِيلَةٍ».

ومن أسمى معاني العيد في مثل هذه الظروف، مراعاة أحوال الجار الفقير، الذي قد يخفي ضيقه خلف صمتٍ ثقيل. فليس من اللائق أن تعمّ مظاهر الفرح بيتًا، بينما يجاوره بيت يفتقد أبسط مقومات العيد.

وقد أوصى الإسلام بالجار، فقال تعالى: ﴿وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ﴾، وقال النبي ﷺ: «مَا زَالَ جِبْرِيلُ يُوصِينِي بِالْجَارِ حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ سَيُوَرِّثُهُ» (متفق عليه).

ولا يكتمل معنى العيد دون أن نتذكر الأيتام من فقراء المسلمين، أولئك الذين يمرّ عليهم العيد بنقصٍ في السند قبل أن يكون نقصًا في الماديات.

وقد حضّ القرآن على رعاية اليتيم، فقال تعالى: ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ﴾، وقال أيضًا: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ﴾.

وقال النبي ﷺ: «أَنَا وَكَافِلُ الْيَتِيمِ فِي الْجَنَّةِ هَكَذَا» وأشار بالسبابة والوسطى (رواه البخاري)، في إشارة إلى عظيم الأجر.

إن توخي الواقعية في الاحتفال بالعيد لم يعد خيارًا ثانويًا، بل ضرورة اجتماعية. فليس من العيب أن يشتري الإنسان ما يناسب قدرته، أو أن يختار البساطة في ضيافته. العيب الحقيقي هو أن نُحمّل أنفسنا ما لا نحتمل، فنحوّل الفرح إلى عبء، والبركة إلى ضيق.

وقد قال تعالى: ﴿وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا ۝ إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ﴾.

كما أن على المجتمع، بكل مكوناته، أن يساهم في تخفيف هذا الضغط، من خلال نشر ثقافة الاعتدال وتشجيع التكافل.

قال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾، وقال النبي ﷺ: «مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ… كَمَثَلِ الْجَسَدِ الْوَاحِدِ» (متفق عليه).

وفي النهاية، يبقى عيد الفطر في موريتانيا درسًا في الصبر والأمل. فرغم قسوة الظروف، يظل الناس قادرين على خلق الفرح من أبسط الأشياء.

وقد قال النبي ﷺ: «مَن نَفَّسَ عَنْ مُؤْمِنٍ كُرْبَةً… نَفَّسَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ» (رواه مسلم).

فالعيد الحقيقي هو أن نحتفل بما نستطيع، ونُدخل السرور على غيرنا، ونعيش معاني الرحمة والاعتدال كما أرادها الإسلام.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى