الأخبارفضاء الرأي

“بين أرقام السوق وموائد الفقراء: هل تنقذ موريتانيا نفسها بالاكتفاء الذاتي /أحمد ولد الدوه

احمدالدوه \كاتب صحفي

يُروى عن إدريس الأول قوله: “لقمةٌ في بطن جائع خيرٌ من بناء ألف جامع…”

وهي حكمة تختصر فلسفة الأولويات في زمن الأزمات؛ حيث يصبح تأمين القوت مقدمًا على كل مظاهر الترف والرمزية. واليوم، ونحن نعيش على وقع توترات دولية متسارعة، تتجدد هذه الحكمة لتطرح نفسها بإلحاح في قلب النقاش الاقتصادي والاجتماعي في موريتانيا.

 

في خضم الحديث عن حرب إقليمية بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل، وما رافقها من اضطرابات في سلاسل الإمداد العالمية، تبرز تداعيات اقتصادية ثقيلة: 

تذبذب أسعار النفط، اضطراب النقل البحري والجوي، وارتفاع تكاليف الاستيراد. لكن الأثر الأشد وقعًا يظل داخليًا، حيث ينعكس ذلك مباشرة على أسعار المواد الغذائية والقدرة الشرائية للمواطن.

وقد جاء المؤتمر الصحفي لرئيس الاتحاد الوطني لأرباب العمل الموريتانيين ليكشف فجوة واضحة بين الأرقام الرسمية والواقع المعيشي. 

فبينما تشير المعطيات إلى استقرار نسبي في الأسعار، يشهد المواطن ارتفاعًا متسارعًا في تكاليف المعيشة، خاصة مع الزيادة “المذهلة” في أسعار المحروقات، التي تُعد عصب النقل والإنتاج، وبالتالي العامل الأكثر تأثيرًا في تسعير السلع الأساسية.

هذا التناقض بين المؤشرات الاقتصادية والواقع اليومي يطرح تساؤلات جوهرية: 

هل المشكلة في آليات الرصد؟ أم في ضعف الرقابة على الأسواق؟ أم في هشاشة البنية الاقتصادية التي تجعل البلد رهينة للتقلبات الخارجية؟

إن الدرس الأهم الذي يجب استخلاصه من هذه المرحلة، كما من جائحة كورونا سابقًا، هو أن الاعتماد المفرط على الخارج في تأمين الغذاء يمثل خطرًا استراتيجيًا. فلا سيادة حقيقية دون أمن غذائي، ولا استقرار دون قدرة ذاتية على الإنتاج.

وموريتانيا، بما تزخر به من موارد زراعية وحيوانية وبحرية، ليست عاجزة عن تحقيق هذا الهدف. لكن التحدي يكمن في الإرادة السياسية، وحسن التسيير، والانتقال من منطق الاستهلاك إلى منطق الإنتاج.

إن تحقيق الاكتفاء الذاتي لم يعد خيارًا، بل ضرورة وجودية. ويتطلب ذلك:

إعادة هيكلة القطاعات الحيوية (الزراعة، الثروة الحيوانية، الصيد).

-دعم المنتج المحلي وحمايته من المنافسة غير المتكافئة.

-توفير التمويل والتقنيات الحديثة للمزارعين والشباب.

-تفعيل الرقابة على الأسواق لضبط الأسعار ومنع الاحتكار.

-ربط السياسات الاقتصادية بالواقع الاجتماعي للمواطن.

كما أن تشجيع المبادرات التعاونية، وتسهيل الولوج إلى الأراضي الزراعية، وتحديث وسائل الإنتاج، يمكن أن يشكل نقطة تحول حقيقية نحو اقتصاد أكثر صلابة واستقلالية.

في النهاية، تبقى الحقيقة البسيطة التي لا تقبل الجدل: الشعوب الجائعة لا تبني الدول. وإن لم تتحول قضية الغذاء إلى أولوية قصوى، فإن كل الخطط الأخرى ستظل هشة أمام أول أزمة عالمية قادمة.

فهل تستوعب الحكومة الرسالة؟ وهل تتحول الأقوال إلى أفعال في وقت لم يعد يحتمل التأجيل؟

الجواب ليس في الأرقام… بل في موائد الناس.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى