الأخبارمقالات و تحليلات

الأكاديمي العراقي البارز كريم فرمان يكتب للصدى : استعصاء الجغرافيا السياسية أمام الطفرة الدبلوماسية ومعضلة الصحراء المغربية والانسداد الإقليمي

ا.د كريم فرمان / كاتب عراقي اكاديمي واستاذ القانون والنظم السياسية في جامعة الأخوين.افران المغرب.

تنــــــويـــــه المحرر:

  تنفرد “الصــــــــدى” بنشر مقال تحليلي رصين ذا نفس استراتيجي عميق  للأكاديمي العراقي البارز الأستاذ الدكتور كريم فرمان مصاغ بلغة أكاديمية محايدة تدرس عمق الجغرافيا السياسية، لتفكيك معضلة جمود واحد من أكثر الملفات  الإقليمية تعقيدا ، وهو مقال مهم للغاية كتب حصريا للصدى تحت بعنوان : استعصاء الجغرافيا السياسية أمام الطفرة الدبلوماسية ومعضلة الصحراء المغربية والانسداد الإقليمي.

سبق وان طلبت مني مجلة دراسات دولية international studies التي تصدر عن كلية السياسة الدولية بجامعة جواهر لآل نهرو في دلهي دراسة تحليليلة مكثفة عن مشكلة الصحراء المغربية وافاق مستقبل الحلول السياسية وطبقا لتقاليد النشر لا يمكن نشر الدراسة قبل ان تتشر في المجلة الفصلية ولكن استطيع ان اكتب مقالا يلخص الفكرة الاساسية عن الدراسة التي يجب ان تكون مبتكرة وخلاقة وليس تكرارا لما ينشر.

وهنا تجد عزيزي القاريء مقالي المعنون اعلاه .

مقــــــــدمـــــة:

تشهد الصحراء المغربية تحولاً بنيوياً حاسماً يتجلى في الاعتراف الدبلوماسي الواسع بمبادرة الحكم الذاتي المغربية كإطار وحيد وجاد وواقعي للحل. وجاء اعتماد قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2797 ليرسخ المقترح المغربي كأرضية أساسية للمفاوضات السياسية.

 

ورغم هذا الزخم القوي المدعوم بقوى دولية وازنة كالولايات المتحدة، فرنسا، وإسبانيا، وفتح عشرات القنصليات في العيون والداخلة، إلا أن النزاع لا يزال يبدي استعصاءً بنيوياً على الأرض. يعود هذا الجمود بالدرجة الأولى إلى ما استطيع تسميته بـ “المعضلة الجزائرية”؛ حيث يشكل الموقف الجزائري الصلب حجر عثرة أساسي يمنع ترجمة هذا التوافق الدولي إلى واقع جغرافي سياسي ملموس، مما يبقي النزاع مستمراً منذ نصف قرن.

أولاً : ركائز الموقف السياسي والتحليلي الجزائري

تتحصن الدبلوماسية الجزائرية العريقة والتي ترتكز إلى رصيد قوي من تراث الثورة الجزائرية ودعم حركات التحرير في افريقيا وتتمترس وراء جدار سميك من العقائد والمبررات لتسويغ موقفها المتصلب من النزاع، وتتوزع هذه الركائز على ثلاثة أبعاد أساسية:

 

* البعد القانوني: تستند الجزائر بشكل مطلق إلى مبدأ “حق تقرير المصير” وتصنيف الأمم المتحدة للصحراء كإقليم “غير متمتع بالحكم الذاتي”. وترى في خطة الاستفتاء الأصلية لعام 1991 المدخل الشرعي الوحيد للحل.

* البعد التاريخي: ينطلق الموقف من موروث الثورة الجزائرية وعقيدة دعم “حركات التحرر” ومناهضة الاستعمار ومبدأ “قدسية الحدود الموروثة عن الاستعمار” في إفريقيا لرفض أي تغيير حدودي.
* البعد الدبلوماسي والاستراتيجي: تصر الجزائر رسمياً على تقديم نفسها كـ “طرف إقليمي ملاحظ” أو جار مهتم لا كشريك مباشر في النزاع، متفادية الالتزامات القانونية المباشرة مع رعاية جبهة “البوليساريو” سياسياً وعسكرياً على أراضيها بتندوف.

* التوازن الإقليمي العسكري: يمثل النزاع كابحاً جيوسياسياً تراه الستراتيجية الأمنية الجزائرية حيوياً لمنع الهيمنة المغربية المطلقة في شمال إفريقيا.

ثانياً : الجغرافيا السياسية وحصاد التأييد (الواقع مقابل الدبلوماسية)

حققت المقاربة المغربية نجاحات استثنائية غيرت المشهد الدبلوماسي الدولي والإقليمي عبر نقاط ارتكاز استراتيجية:

الاعترافات السيادية الدولية الوازنة (أمريكا، فرنسا، إسبانيا، بريطانيا، إلخ)

الشرعية القنصلية والميدانية : (فتح أكثر من 30 قنصلية في تغيير عقيدة قرارات مجلس الأمن الدولي
(القرار 2797 يكرس أولوية مقترح الحكم الذاتي كحل وحيد وواقعي لمشكل الصحراء ونال اعتراف دولي.

لكن: يواجه هذا الزخم “فيتو إقليمي صلب” ورفض جزائري

أمام هذا المشهد، يتضح أن كسب “معركة الاعتراف بالحقوق” لم يترجم كلياً إلى إغلاق نهائي للملف بسبب وجود فجوة بين السيادة الإدارية والتنموية الشاملة التي يفرضها المغرب ميدانياً في الصحراء، وبين الانسداد القانوني في أروقة الأمم المتحدة بسبب تمسك الجزائر وجبهة البوليساريو بخيار الانفصال ورفض مفاوضات الحكم الذاتي.

– ثالثاً : الآفاق المستقبلية.. هل يوجد “خيار ثالث”؟

عند قراءة المسارات الجيوسياسية للملف، لا تبدو الخيارات مفتوحة على مشهد رمادي، بل تنحصر السيناريوهات المستقبلية في ثلاثة اتجاهات:

 

1. الخيار الأول المرفوض دولياً (التقسيم): طرح المبعوث الأممي ستيفان دي ميستورا سابقاً فكرة تقسيم الإقليم، وهي الفكرة التي رفضها المغرب جملة وتفصيلاً لتمسكه بوحدته الترابية، كما رفضتها البوليساريو، مما يسقط هذا الخيار عملياً.

2. الخيار الثاني الواقعي (الحكم الذاتي الموسع والمرن): ينبثق كخيار توافقي وحيد يحظى بالقبول الدولي. يكمن التحدي في قدرة واشنطن والعواصم الكبرى على صياغة “ضمانات سيادية أو اقتصادية إقليمية” تخفف من هواجس الجزائر وتدفعها للانخراط في طاولة المفاوضات الرباعية المستديرة كمكون أساسي وجزء من الحل الإقليمي.

3. تثبيت “الأمر الواقع” (The Fait Accompli): استمرار الوضع الراهن مع تآكل الشرعية الدولية للأطراف الأخرى. فالمغرب يواصل تشييد البنية التحتية، الاستثمارات، وربط الموانئ الدولية كالداخلة الأطلسي، مقابل انحسار نفوذ الأطراف الأخرى وتراجع تمثيليتها الدبلوماسية.

 معضلة نصف القرن القادم.. إلى متى الجمود؟

من غير المرجح أن يدوم هذا الملف على شكل “جمود دائم يراوح مكانه لنصف قرن آخر”؛ فالآليات الدولية والإقليمية تتغير بسرعة نتيجة لعدة محفزات ديناميكية:

 

* الضغط الدولي المتصاعد: تقود الولايات المتحدة وقوى حليفة وساطات مكثفة لإيجاد تسوية نهائية لحاجة الاقتصاد والسياسة العالمية للاستقرار في منطقة الساحل وشمال إفريقيا.

* استراتيجيات الطاقة والغاز: إن تحول الجزائر إلى مورد موثوق للغاز لأوروبا وإسبانيا تحديداً، يعيد ترتيب أوراق المساومات الدبلوماسية ويدفع القوى الأوروبية للبحث عن تهدئة شاملة للصراع الإقليمي.

* عامل الوقت الديموغرافي والاقتصادي: إن التغيرات السكانية والجيلية داخل مخيمات تندوف، مع تفاقم الأزمات الإنسانية هناك، ستجعل من الصعب على قيادات البوليساريو والجزائر الحفاظ على العقيدة المتصلبة ذاتها أمام عرض مغربي واقعي يوفر تنمية وحكماً ذاتياً حقيقياً.

 

خـــــــــلاصة القـــول: إن تفكيك ملف الصحراء المغربية لا يتوقف على جودة الطرح المغربي أو حجم الدعم الدولي له فحسب، بل يرتبط ارتباطاً شرطياً بحدوث تحول جذري في العقيدة الأمنية والسياسية للنظام الجزائري. وبدون مصالحة تاريخية شاملة في منطقة المغرب الكبير تعترف بالحقائق التاريخية وتراعي المصالح الحيوية المشتركة، سيبقى هذا الملف يراوح مكانه قانونياً في أروقة الأمم المتحدة، بينما يتحول على الأرض بشكل متسارع لصالح السيادة المغربية الكاملة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى