مؤتمر الرئيس غزواني: بين ما قيل وما لم يُقل.. أسئلة الإصلاح والفساد وغياب الأرقام/ احمد ولد الدوه”تحليل”
جسّد المؤتمر الصحفي للرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني لحظة سياسية وإعلامية مهمة، باعتباره محاولة لتأسيس تقليد تواصلي مباشر بين رأس السلطة والرأي العام، وهو مسار يمكن أن يشكل قيمة مضافة للحياة العامة إذا ما تم تثبيته كموعد سنوي منتظم، يكرّس حق المواطنين في معرفة حقيقة ما تحقق، وما تعثر، وما ينتظر البلاد من تحديات.
وقد بدا الرئيس خلال المؤتمر متحكماً في إيقاع الحوار، متنقلاً بين ملفات السياسة والاقتصاد والأمن والحوكمة، ومتطرقاً إلى قضايا الشباب واللحمة الوطنية والمجتمع المدني.
كما أظهر قدراً من الواقعية في بعض إجاباته، من خلال الاعتراف بالتقصير في بعض الملفات، والتأكيد على وجود اختلالات تحتاج إلى المعالجة، وهو أمر يحسب لأي مسؤول سياسي، لأن الاعتراف بالمشكلة يمثل الخطوة الأولى نحو البحث عن حلولها.
لكن المؤتمر، في المقابل، فتح الباب أمام أسئلة أكبر حول ما قيل وما لم يُقل، وما بقي في دائرة المسكوت عنه.
الفساد.. اعتراف بالمشكلة وغياب لخارطة الطريق
كان ملف الفساد من أبرز القضايا التي حضرت في حديث الرئيس، خصوصاً عندما أشار إلى أن الفساد لم يعد مجرد ظاهرة مرتبطة بأفراد أو مسؤولين، بل أصبح، في جانب منه، مشكلة ذات امتدادات مجتمعية وثقافية.
غير أن الاعتراف بوجود الفساد، مهما كانت أهميته، لا يكفي وحده. فالمواطن ينتظر أن يعرف ماذا ستفعل الدولة عملياً لمكافحته، وكيف ستضمن استقلالية أجهزة الرقابة، وما مصير التقارير التي تعدها المؤسسات الرقابية، وما هي الإجراءات التي ستتخذ بحق من تثبت مسؤوليته عن تبديد المال العام.
لقد تحدث الرئيس غزواني عن حماية المبلغين عن الفساد، وعن دور الصحافة في كشف الاختلالات، وأشار إلى تقارير محكمة الحسابات والمفتشية العامة للدولة.
لكن السؤال الذي ظل معلقاً هو: ما هي الآلية العملية لتحويل هذه التقارير إلى إجراءات ومحاسبة ونتائج ملموسة؟
فمحاربة الفساد تبدأ من الدولة ومؤسساتها قبل أن تُحال مسؤوليتها إلى المجتمع أو الصحافة. الدولة هي التي تملك أجهزة التفتيش والتحقيق والقضاء، وهي التي تملك القدرة على فرض الشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة. ولذلك، فإن المطلوب ليس فقط الاعتراف بوجود الفساد، وإنما تقديم مؤشرات واضحة حول عدد الملفات التي تمت معالجتها، وحجم الأموال المسترجعة، وعدد المسؤولين الذين تمت مساءلتهم، ومدى تنفيذ توصيات الأجهزة الرقابية.
أين الأرقام؟
من أبرز ما كان ينقص المؤتمر، في تقديري، حضور الأرقام والمؤشرات الدقيقة.
فالمواطن لا يحتاج فقط إلى سرد المشاريع والبرامج، بل يريد أن يعرف:
كم بلغ معدل النمو؟
وما حجم الاستثمار العمومي؟
وما نسبة تنفيذ المشاريع؟
وما الذي تحقق في قطاعات التعليم والصحة والمياه والكهرباء؟
وما هي حصيلة الإصلاحات التي أطلقت خلال المأمورية الأولى والثانية؟
كما كان من المهم تقديم حصيلة رقمية لأداء المؤسسات العمومية، وحجم الدعم الذي تحصل عليه، ومدى مساهمتها في الاقتصاد الوطني، والخطط الموضوعة لإصلاح المؤسسات المتعثرة أو التي تستنزف المال العام.
وكان من المفيد أيضاً أن يتضمن المؤتمر كشفاً واضحاً عن المشاريع الكبرى الممولة خلال المأمورية الأولى والثانية، سواء من الميزانية الوطنية أو من خلال القروض والمنح والشراكات الدولية، مع بيان ما تم إنجازه فعلاً، وما هو قيد التنفيذ، وما تعثر وأسباب تعثره.
فالأرقام هي التي تسمح للرأي العام بتقييم الأداء بعيداً عن الانطباعات، وهي التي تحول الخطاب السياسي من مجرد سرد للإنجازات إلى حصيلة قابلة للقياس والمقارنة.
التعليم والأسعار والبطالة.. الأسئلة التي تنتظر إجابات أعمق
رغم أهمية الملفات التي تناولها المؤتمر، فإن قضايا تمس الحياة اليومية للمواطن كان يمكن أن تحظى بمساحة أكبر من النقاش، وفي مقدمتها التعليم، وارتفاع الأسعار، والبطالة، وضعف الخدمات العمومية.
فالمواطن العادي يريد أن يعرف ماذا تغير في حياته خلال السنوات الماضية؟ وهل تحسنت جودة التعليم فعلاً؟
وهل تراجعت البطالة؟
وهل أصبحت الخدمات الصحية أكثر قرباً وجودة؟
وهل تمكنت الحكومة من السيطرة على أسعار المواد الأساسية؟
وماذا عن أزمة الكهرباء والمياه في بعض المناطق؟
هذه الأسئلة لا تحتاج إلى إجابات عامة، بل إلى أرقام ومؤشرات وجداول زمنية واضحة، حتى يستطيع المواطن أن يقارن بين ما كان وما أصبح عليه الوضع.
نجاح أمني في منطقة الساحل
في المقابل، لا يمكن تجاهل ما حققته موريتانيا من نجاح نسبي في الحفاظ على استقرارها الأمني في بيئة إقليمية شديدة الاضطراب، خصوصاً في منطقة الساحل التي تشهد منذ سنوات تمدد الجماعات المسلحة والانقلابات العسكرية وتراجع التعاون الإقليمي.
وقد استطاعت موريتانيا، مقارنة بعدد من دول المنطقة، أن تحافظ على مستوى من الاستقرار، وأن تتجنب الانزلاق إلى دوامة العنف المسلح التي عصفت بجيرانها، وهو نجاح يرتبط بالمقاربة الأمنية التي اتبعتها الدولة، وبالتحكم في الحدود، وبالتنسيق بين الأجهزة الأمنية والعسكرية، فضلاً عن عوامل أخرى سياسية واجتماعية.
غير أن الحديث عن النجاح الأمني يفتح أيضاً نقاشاً أوسع حول مستقبل المنطقة، خصوصاً مع استمرار الحرب في مالي وتدهور الوضع الأمني في أجزاء واسعة من الساحل. فاستقرار موريتانيا لا يمكن فصله بالكامل عن محيطها الجغرافي، وأي تدهور إقليمي كبير قد يفرض تحديات جديدة على البلاد.
ومن هنا، كان من المفيد أن يقدم المؤتمر رؤية أكثر تفصيلاً حول كيفية حماية هذا الاستقرار، وما هي الاستراتيجية الموريتانية طويلة الأمد تجاه التحولات الأمنية في الساحل، وكيف ستتعامل البلاد مع تداعيات الأزمة المالية، وحركة اللاجئين، وتأمين الحدود.
الإعلام.. الحلقة الغائبة
من النقاط التي تستحق التوقف عندها أيضاً طبيعة التمثيل الإعلامي في المؤتمر. فنجاح أي مؤتمر صحفي لا يتوقف فقط على استعداد الرئيس للإجابة، بل يعتمد كذلك على جودة الأسئلة وتنوعها واستقلالية المؤسسات الإعلامية التي تطرحها.
وقد بدا في بعض اللحظات أن حضور المؤسسات الإعلامية المهنية كان أقل من المتوقع، في مقابل بروز الصحافة الرقمية والمدونين ووجوه منصات التواصل الاجتماعي. ولا شك أن الإعلام الجديد أصبح جزءاً أساسياً من المشهد، لكن ذلك لا ينبغي أن يكون على حساب الصحافة المهنية والمؤسسات الإعلامية التي تمتلك تقاليد العمل الصحفي والتحقيق والاستقصاء.
فالمدون له دوره، والصحفي له دوره، والمؤسسة الإعلامية لها دورها. والمشهد الإعلامي الصحي لا يقوم على إقصاء أحد، وإنما على التعدد والتكامل.
ومن هنا، فإن تطوير مثل هذه المؤتمرات يقتضي توسيع دائرة المشاركة، وضمان حضور المؤسسات الصحفية المستقلة، وإتاحة المجال لأسئلة أكثر عمقاً وتنوعاً، بعيداً عن الانتقائية أو التدخل المفرط في إدارة الحوار.
ما قاله الرئيس وما لم يقله
يمكن القول إن الرئيس غزواني قدم خلال المؤتمر صورة رئيس حاضر ذهنياً، متابعاً للتفاصيل، ومستعداً للإجابة عن الملفات الحساسة، وهو أمر إيجابي في حد ذاته.
لكن قوة الإجابات لا تعني أن المؤتمر قدم كل الأجوبة التي ينتظرها الرأي العام.
فما قيل كان مهماً، لكن ما لم يُقل كان أكثر أهمية في بعض الملفات: أرقام النمو، حصيلة إصلاح المؤسسات العمومية، تقييم المشاريع الكبرى، حجم الإنفاق العمومي، مؤشرات البطالة والفقر، نتائج محاربة الفساد، مصير تقارير الرقابة، وتقييم الخدمات الأساسية.
كما أن الاعتراف بوجود الفساد كان خطوة إيجابية، لكنه كان يحتاج إلى أن يرافقه عرض واضح لخارطة طريق الدولة في مواجهته، لأن مكافحة الفساد لا يمكن أن تبقى مجرد مسؤولية أخلاقية للمجتمع أو مهمة تنتظر الصحافة والمدونين، بل هي قبل كل شيء مسؤولية مؤسسات الدولة وأجهزتها الرقابية والقضائية والتنفيذية.
في النهاية، نجح المؤتمر في كسر حاجز الصمت وفتح نافذة مباشرة بين الرئيس والرأي العام، لكنه كشف في الوقت ذاته الحاجة إلى تطوير هذا التقليد وتحويله من مناسبة للتواصل السياسي إلى منصة حقيقية للمساءلة الديمقراطية.
فالمؤتمر الصحفي الناجح ليس هو الذي يجيب فيه الرئيس عن أكبر عدد من الأسئلة، بل هو الذي يخرج منه المواطن وهو يعرف بالأرقام ماذا تحقق، ولماذا تعثر ما تعثر، ومن يتحمل المسؤولية، وما هي الخطة القادمة.
وهنا تحديداً يكمن الفرق بين مؤتمر صحفي عابر، وتقليد ديمقراطي راسخ.
الصدى




