الأخبارالرأي

المؤتمر الصحفي لرئيس الجمهورية.. صراحة في الطرح وثقة في الإجابة ومنعطف جديد في التواصل مع الرأي العام / الولي سيدي هيبه

الولي سيدي هيبه / باحث إعلامي

لم يكن المؤتمر الصحفي الذي عقده فخامة رئيس الجمهورية، السيد محمد ولد الشيخ الغزواني، مساء الجمعة 24 يوليو 2026 بالقصر الرئاسي في نواكشوط، مجرد لقاء إعلامي اعتيادي، بل شكل حدثا سياسيا وإعلاميا استثنائيا بكل المقاييس، سواء من حيث مستوى الإعداد والتنظيم، أو طبيعة الحضور، أو الأسلوب الذي أُدير به الحوار، أو المضامين التي حملتها إجابات رئيس الجمهورية.

وقد نقل المؤتمر مباشرة عبر القنوات الوطنية، مع ترجمة فورية إلى اللغات الوطنية، في خطوة عكست الحرص على توسيع دائرة التواصل مع مختلف مكونات المجتمع الموريتاني، وجعل الرسائل الرئاسية تصل إلى الجميع دون وسيط.

ومنذ اللحظات الأولى، بدا واضحا أن المؤتمر يختلف عن النمط التقليدي للقاءات الرسمية، إذ سادته أجواء ودية بعيدة عن التكلف، وغاب عنه الطابع البروتوكولي الصارم، فبدا الرئيس في حوار مفتوح أكثر منه في مؤتمر صحفي تقليدي. وقد انعكس ذلك على طبيعة الأسئلة التي جاءت مباشرة وتعبر عن اهتمامات الرأي العام، كما انعكس على الإجابات التي اتسمت بالعفوية المنضبطة، والوضوح، والثقة، والإحاطة الدقيقة بالملفات.

وافتتح رئيس الجمهورية المؤتمر برؤية شاملة لمسار التنمية في البلاد، مؤكدا أن موريتانيا تنعم بالأمن والاستقرار، وأن مؤسسات الدولة تواصل أداء وظائفها بانتظام رغم ما شهده العالم من أزمات متلاحقة، بدءًا بجائحة كوفيد-19، مرورا بالحرب في أوكرانيا، وصولا إلى التطورات في الشرق الأوسط، وما خلفته تلك الأزمات من اضطرابات في سلاسل الإمداد والتمويل والتجارة الدولية. ورغم ذلك، أكد أن الجهود الوطنية مكنت من مواصلة تنفيذ البرامج الحكومية وتحقيق تقدم ملموس في مختلف القطاعات، مع استمرار العمل بوتيرة متسارعة لإنجاز البرنامج التنموي الطموح.

وشكل ملف مكافحة الفساد أبرز محاور المؤتمر، حيث جاءت تصريحات الرئيس حاسمة وواضحة، مؤكدا أن الحرب على الفساد مستمرة ولا هدنة فيها، وأن المحاسبة لا تستثني أحدا بسبب قرابة أو علاقة شخصية أو اجتماعية، لكنها ستظل محكومة بالقانون وحده، بعيدا عن الشعبوية أو توظيف الاتهامات لتصفية الحسابات.

وفي هذا السياق، قدم الرئيس أرقاما دقيقة تعكس مسار المعالجة القضائية، موضحا أن الأشهر العشرة الأخيرة شهدت إحالة عشرة ملفات فساد إلى القضاء، شملت سبعين شخصا، يوجد عشرون منهم رهن التوقيف، فيما استفاد تسعة عشر من الحرية المؤقتة، ولا تزال ملفات ثلاثين شخصا قيد المعالجة لدى النيابة العامة.

كما استعرض جملة من الإجراءات الرامية إلى تعزيز الشفافية، من بينها تقليص صفقات التراضي من 27 صفقة سنة 2019 إلى 6 فقط سنة 2025، واعتماد نظام لتصنيف الشركات وفق معايير محددة، إلى جانب توسيع استخدام الوسائل الرقمية في إدارة الصفقات العمومية والرقابة عليها، داعيا إلى استثمار ثورة وسائل التواصل الاجتماعي في كشف الفساد وتعزيز الرقابة المجتمعية، ومؤكدا أن التحول الرقمي يمثل أحد أهم أدوات ترسيخ الشفافية وتبسيط الخدمات العمومية.

وفي محور الشباب، جدد رئيس الجمهورية التزامه بأن تكون هذه المأمورية “بالشباب وللشباب”، معتبرا أن الشباب هو أمل الأمة وعدتها وعتادها في الحاضر والمستقبل. وأكد أن السياسات العمومية ستوجه نحو التعليم والتكوين والتشغيل والتمكين، معلنا عن إنشاء جهاز إداري يعنى بقضايا الشباب، وآلية لتنظيم خدمة مدنية تطوعية تسهم في التأطير والتكوين، وتعزيز قيم المواطنة والتآخي والانضباط.

أما فيما يتعلق بالوحدة الوطنية، فقد شدد الرئيس على أن كل خطاب أو ممارسة ذات طابع عنصري أو قبلي أو شرائحي يمثل تجاوزا غير مقبول، مؤكدا أن وحدة الوطن وتماسكه خط أحمر لا يمكن التساهل معه. واستشهد بإقالة مسؤولين أمنيين بسبب تقديمهم تعزية بصيغة قبلية أثناء ارتدائهم الزي الرسمي، معتبرا ذلك دليلا على جدية الدولة في تطبيق القانون على الجميع دون استثناء.

وفي الشأن الاقتصادي، أكد الرئيس أن موريتانيا سجلت تحسنا في عدد من المؤشرات الكلية، من بينها النمو الاقتصادي، ومستويات التضخم، ونسبة المديونية، والميزان التجاري، مشيرا إلى أن هذه النتائج انعكست على تحسين النفاذ إلى الخدمات الأساسية، وخاصة في مجالات المياه والكهرباء والصحة والتعليم، بما يعزز أسس التنمية ويكرس الاستقرار الاقتصادي.

وفي المجمل، مثل هذا المؤتمر محطة فارقة في مسار التواصل الرئاسي مع الإعلام والرأي العام، ليس فقط لما حمله من معطيات وأرقام، وإنما أيضا لما كشف عنه من حضور ذهني، وإحاطة دقيقة بالملفات، وقدرة على الجمع بين الصراحة والهدوء، وبين الحزم والواقعية.

لقد ظهر الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني خلال هذا اللقاء واثقا في إجاباته، واضحا في مواقفه، متماسكا في عرض رؤيته، وهو ما جعل المؤتمر، في نظر كثير من المتابعين، نموذجا متقدما في التواصل السياسي، وبدد كثيرا من التساؤلات، وأكد أن الحوار المباشر مع المواطنين ووسائل الإعلام يمثل أحد أهم أدوات ترسيخ الثقة وتعزيز الشفافية في إدارة الشأن العام.

المصدر : الكاتب

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى