الأخبارمقالات و تحليلات

العباس ابن الاحنف وسرّ حبيبته “فوز” في أطروحة السوربون لعاتكة الخزرجي/ كتب ا.د كريم فرمان

يمثل الشاعر العباس بن الأحنف ظاهرة شعرية فريدة في العصر العباسي؛ إذ انصرف بالكامل عن أغراض المديح والهجاء، وتفرّد بتقديم صرخة عذرية عفيفة وسط عصر عُرف بالتحلل والمجون. وقد حظيت تجربته المتمحورة حول محبوبته “فوز” بدراسات نقدية معمقة، أبرزها الأطروحة الأكاديمية التاريخية للشاعرة العراقية الكبيرة والصديقة الدكتورة عاتكة الخزرجي رحمها الله والتي نالت عنها شهادة دكتوراه الدولة من جامعة السوربون بإشراف المستشرق الفرنسي الشهير ريجي بلاشير.إذ يعد العباس بن الأحنف: رائد الغزل العذري في بغداد .

 

هو أبو الفضل العباس بن الأحنف الحنفي اليمامي (ت 192 هـ)، ولد في اليمامة ونشأ في بغداد حيث عاش حياة رغيدة اتسمت بالثراء والترف والظرف. عاصر الخليفة هارون الرشيد وكان من جلسائه المقربين. تميز شعره بالبساطة والسلاسة والعفة والبعد عن الفحش؛ فوصفه البحتري بأنه “أغزل الناس”، وقال عنه الجاحظ لا يهجوا ولا يمدح ،كرس ديوانه بالكامل لرصد تقلبات قلبه ومعاناته في عشق محبوبته التي سمّاها “فوز”.

 قصة العشق العذري وسر تسمية “فوز”

عاش العباس بن الأحنف تجربة حب مضنية مع امرأة لم يستطع الوصول إليها، فصارت بمثابة “الشمس” البعيدة في سمائها.

* سبب التسمية: لم يكن “فوز” اسمها الحقيقي، بل كان اسماً مستعاراً وقناعاً أدبياً؛ اختاره الشاعر عمداً لصون عرضها من ألسنة الوشاة والعسس، ولتجنب الفضيحة والملاحقة، معبراً عن ذلك بقوله:

كتمتُ اسمَها كتمانَ من صان عِرضَها       وحاذر أن يفشو قبيح التسمُّعِ
فسمّيتُها فوزاً، ولو بحتُ باسمها          لَسمّيتُ باسمٍ هائلِ الذكرِ أشنعِ

 

* الرواية الشائعة: كانت بعض المصادر التراثية تزعم تبريراً سطحياً للتسمية بأن المحبوبة سميت فوزاً لكونها كانت كثيرة الفوز في المسابقات أو المنافسات، وهو ما فندته الدراسة الأكاديمية العميقة للدكتورة الخزرجي .

والسؤال من هي الشخصية الحقيقية لـ “فوز” في أطروحة عاتكة الخزرجي؟

في أطروحتها الأكاديمية لشهادة الدكتوراه وجلسات تحقيقها لديوان الشاعر، قامت الدكتورة عاتكة الخزرجي ببحث استقصائي مقارن ومكثف لربط الأحداث التاريخية بالقرائن الشعرية داخل الديوان.

 

ا.د كريم فرمان / كاتب عراقي اكاديمي واستاذ القانون والنظم السياسية في جامعة الأخوين.افران المغرب.

* الحقيقة التاريخية: توصلت الخزرجي إلى أن “فوز” ليست كائناً متخيلاً ولا جارية عادية، بل هي الأميرة عُلية بنت المهدي.

 

* المكانة والدوافع: عُلية هي أخت الخليفة هارون الرشيد، وكانت شاعرة وأديبة بارزة في البلاط العباسي اتسمت بالتقوى والصلاح،وهذا المركز الاجتماعي المرموق والخوف من بطش الرشيد وعيون العسس هو ما دفع ابن الأحنف للتستر التام خلف اسم “فوز”؛ لأن التصريح باسم أميرة عباسية كان يعني هلاكه المحتم وإفشاء سرّ هائل الذكر.

 

وقد كان للرسائل في حياة العباس العاطفية مكان، إذ كان أول أمره يرسل بالرسالة تلو الأخرى دون أن يظفر من صاحبته حتى بكلمة ! حتى متى اكتب اشكوا الهوى ،،،ولا تجودين برد الجواب. إن لم تجيبيني بما أشتهي. فخبريني بوصول الكتاب!

ولعل هذا الحرمان القاسي كان من أسباب تعلق الشاعر بسراب الأماني وضلال الأوهام ولم يجد في النهاية الا ان يبكي هواه المضاع في قصيدته الشهيرة والتي اوصت الشاعرة الخزرجي بحفظها لعذوبة كلماتها وعمق الأسى الشفيف فيها .

ابكي الذين أذاقوني مودتهم         ، ،، حتى إذا ايقظوني للهوى رقدوا.

واستنهظوني فلما قمت منتصبا    .،، بثقل ما حملوا من ودهم قعدوا.

جاروا علي ولم يوفوا بعهدهم  ، ،، قد كنت احسبهم يوفون إن عهدوا.

لأخرجن من الدنيآ وحبكم.    …         بين الجوانح لم يشعر به أحد.

ترى أكان هوى فوز بشاعرها نزوة عابرة سرعان ما بددها نتائج عبث هذه العلاقة وخطورة النتائج من هوى بينها وبين شاعر يحتضنه القصر الملكي الذي هي سيدته وهي التي يؤهلها جاهها وسلطانها وعلو مكانتها لزوج فيه كفاءة الجاه وهيبة السلطان. وفي هذا كتب ابن الاحنف. الى الله اشكوا ان فوزا تغيرت، ،، وحالت عن العهد القديم فأنهجا. وقد حسبت ذنبا علي تزوجي، ،، فقلت كلانا مذنب قد تزوجا!

ونذكر هنا (أبرز الأبيات التي قالها الشاعر في “فوز”)

امتازت أبيات العباس برقة المشاعر وعمق الشكوى واللوعة، ومن عيون قصائده فيها:

* في تعذر الوصل واستحالة اللقاء (تشبيهها بالشمس):

 

لَعَمري لقد جَلَبَت نظرتي إليك عليّ بلاءً طويلَا            فيا ويح من كلفت نفسه بمن لا يطيق إليه سبيلا

هي الشّمسُ مَسكنُها في السّماء فعَزِّ الفؤادَ عزاءً جميِلَا   فلن تستطيعَ إليها الصعودَ ولن تستطيع إليك النزولَا

* في عتابها واستنكار جفائها:

 

أَلَم تَعلَمي يا فوزُ أَنّي مُعَذَّبُ ،، بِحُبِّكُمُ وَالحَينُ لِلمَرءِ يُجلَبُ
وَكُنتُ أَبكيكُم بيَثرِبَ مَرةً ،، وَها أَنَا بَغدادِيُّ بَعدَكِ أُعذَبُ

 

* في التعبير عن ألم الفراق:

أَرى البَينَ يَشكوهُ المُحِبونَ كُلُّهُم ،،فَيا رَبُّ قَرِّب دارَ كُلِّ حَبيبِ
تَعالَوا نُدافِع جُهدَنا عَن قُلوبِنا ،، فَنوشِكُ أَن نَبقى بِغَيرِ قُلوبِ

اللقاء الفكري بباريس    : الخزرجي و  بلاشير

اختارت الشاعرة العراقية عاتكة الخزرجي المستشرق الفرنسي الكبير ريجي بلاشير (Régis Blachère) بالإشراف على أطروحتها لكونه المتخصص الأبرز الذي كتب مادة “العباس بن الأحنف” في دائرة المعارف الإسلامية، إلى جانب مكانته العالمية كصاحب أول ترجمة فرنسية أمينة وأكاديمية لمعاني القرآن الكريم.
وماذا كتب بلاشير في مقدمة كتابها؟

أشاد بلاشير في مقدمته المنهجية بذكاء الشاعرة العراقية الشابة وقدرتها الفذة على سبر أغوار النص العربي القديم. وأكد أن أطروحتها وتدقيقها في ديوان العباس لا يمثل مجرد دراسة جافة، بل هو إحياء نقدي استثنائي بروح شاعرة فهمت لغة شاعرة أخرى، معتبراً أن منهجها المقارن أضاف للأكاديمية الغربية بُعداً شرقياً أصيلاً لم تكن لتصل إليه العقول الغربية بمفردها.

وبالمقابل كان إهداء عاتكة الخزرجي إلى بلاشير في مقدمة الديوان مؤثرا
تقديراً لجهوده العلمية العظيمة وسعة أُفقه،حيث صدّرت عاتكة الخزرجي كتابها بإهداء بليغ يحمل أرقى معاني العرفان الأكاديمي، حيث كتبت:

“إلى أستاذنا الشيخ الجليل والعلامة الكبير المستشرق الفرنسي الشهير، ر. بلاشير مترجم القرآن وصاحب كتاب المتنبي اهديك هذا المجهود العلمي والأدبي تحية إجلال واعتراف بالفضل”. ثم خطت له أبيات الشعر التالية: يا حكمة الله قد سويت في بشر ،،،، ما كنت في الناس الا اية الحقب . كم قد سهرت الليالي شان ذي شغف، ،، وما شغفت بغير العلم والأدب. حاشا لمثلك ان يهفوا لغانية، ،، أو أن يحن اشتياقا لأبنة العنب .

-أظهرت دراسة الدكتورة عاتكة الخزرجي للعباس بن الأحنف بإشراف ريجي بلاشير تأثير المنهج الغربي في النقد العربي الحديث، حيث دمجت الصرامة المنهجية بتحليل نفسي وجمالي للنصوص. وقد ساهم هذا النهج في كشف هوية “فوز” الحقيقية باعتبارها الأميرة علية بنت المهدي، محولةً النقد من الانطباعية إلى العلمية المعرفية.

إهداء د. عاتكة الخزرجي إلى ريجي بلاشير:

“إلى أستاذنا الشيخ الجليل والعلاّمة الكبير، المستشرق الفرنسي الشهير، ر. بلاشير.. تحية إجلال واعتراف بالفضل، وتقدير مخلص لجهوده العلميّة السخيّة وأُفقِهِ الإنساني النبيل، الذي أنار لي معالم البحث في أروقة السوربون، وفتح لي مغاليق النصوص بروح العالِم المنصف والأب الحاني.”

 مقدمـــــــــــة ريجي بلاشير للكتاب:

“إن ديوان العباس بن الأحنف الذي تخرجه اليوم الدكتورة عاتكة الخزرجي ليس مجرد تحقيق أكاديمي جاف، بل هو إعادة بعث حقيقية لروح الشاعر العباسي العظيم. لقد استطاعت الباحثة، بفضل ملكتها الشعرية الأصيلة وثقافتها النقدية الصارمة، أن تسبر أغوار الغزل العذري البغدادي، وتقدم للمكتبة العربية والغربية دراسة من الطراز الأول. إن هذا العمل يبرهن على أن النقد المنهجي عندما يلتقي بالحس الفني المرهف، فإنه يضيء من جوانب النص ما قد يخفى على الصرامة العلمية المجردة، وإنني لفخور بهذا الأثر الفذ الذي أشرفتُ عليه في السوربون.”

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى