حين تتصالح القيادات ويبقى الأتباع في المعركة / الشيخ مجيد العقابي

رئيس مركز الفكر للحوار والإصلاح
أكثر ما يؤلمني اليوم ليس أن القيادات تغيّر مواقفها. فالإنسان قد يراجع رأيه. والحزب قد يعيد حساباته. والقيادة قد تنتقل من التحالف إلى القطيعة أو من الخصومة إلى التفاهم. وقد يكون هذا التغيير نضجًا أو مصلحة أو اضطرارًا. وليس هذا موضع الاعتراض. موضع الاعتراض أن تتصالح القيادات ويبقى الأتباع في المعركة. تتبدل التحالفات في الأعلى. ويجلس من تبادلوا الاتهامات إلى طاولة واحدة. ويتصافح من تخاصم الناس من أجلهم. لكن الخصومات تبقى مشتعلة في الأسفل. وكأن الموقف الذي انتهى عند أصحابه ما زال عقيدة يجب الدفاع عنها. المشكلة ليست في تغير القيادة وحده. المشكلة في التابع الذي يغيّر موقفه كلما تغيّر موقف قيادته. ثم يثبت في كل مرة أن الموقف الجديد هو الحق الذي لا يحتمل الخطأ. فإن عادت القيادة إلى موقفها الأول عاد معها. وإن خاصمت خاصم. وإن صالحت صالح. وإن انقلبت على خطابها القديم أعاد هو تفسير الماضي كله حتى يبدو التناقض انسجامًا. وهنا لا بد من سؤال صريح. هل يحمل هؤلاء عقولًا تفكر. أم أنهم تحولوا إلى أدوات تتحرك بإرادة غيرها؟
هذا السؤال أعادني إلى واقعة حدثت معي سنة ٢٠٠٦. دُعيت يومها إلى وزارة البلديات والأشغال لإلقاء محاضرة. وعندما وصلت وجدت في الوزارة مسرحًا كبيرًا مهيبًا يشبه في هيئته المسرح الوطني. جلست إلى جانب الأخ الذي كان يدير الجلسة. فقلت له قبل أن يبدأ التقديم. لنحوّل المحاضرة إلى ندوة. نظر إليّ مستغربًا وقال. شيخنا. وما الفرق بين المحاضرة والندوة؟ لم تكن الندوات آنذاك شائعة كما هي اليوم. ولم يكن المصطلح متداولًا عند الجميع. طلبت منه أن يبدأ. لكن الموظفين أخذوا يتوافدون من مختلف الأقسام والمديريات حتى امتلأ المسرح. وكان الحضور متنوعًا من الرجال والنساء وأصحاب الشهادات والاختصاصات. أخذتني هيبة المكان وهيبة العدد. وشعرت أن المحاضرة التقليدية لن تكون كافية أمام هذا التنوع. وبينما كان مدير الجلسة يتحدث همست إليه وطلبت منه أن يتوقف لحظات. ثم قلت له. حاول أن ترسل من يأتي بقصاصات ورقية. وتوزع على الحاضرين. ليكتب كل واحد منهم سؤاله. وبعد انتهاء المحاضرة نفتح باب الأسئلة والأجوبة. وافق. وبعد انتهاء المحاضرة جُمعت القصاصات. وبدأ مدير الجلسة بقراءتها. وشرعت أجيب عن الأسئلة واحدًا بعد آخر.
لا أدري هل سبقني أحد إلى هذه الطريقة أم لا. لكنها كانت المرة الأولى التي أراها في مثل هذه اللقاءات. وكنت أعدها خطوة جديدة. ففيها مقدار من الجرأة والثقة. لأن المتحدث لا يكتفي بإلقاء ما لديه ثم يغادر. بل يضع نفسه أمام السؤال والاعتراض والمناقشة. وكان لي مقصد آخر. كنت أريد أن أقدم صورة مختلفة عن رجل الدين. صورة لا تقوم فيها العلاقة على صوت من جهة وصمت من جهة أخرى. بل على حق الحاضر في السؤال. وعلى استعداد المتحدث لسماع الاعتراض. وعلى أن رجل الدين لا ينبغي أن يخشى النقاش. ولا أن يرى نفسه فوق المراجعة. وبينما كان مدير الجلسة يقرأ القصاصات توقف عند واحدة منها. وقرأ ما كتبه صاحبها. شيخنا. كأن الدكتور علي الوردي قد بُعث من جديد. ثم قرأ قصاصة أخرى تحمل معنى قريبًا. ثم ثالثة. وبعض الحاضرين كتب أن هذا الطرح الاجتماعي وطريقة تناول قضايا المجتمع تذكرهم بالدكتور علي الوردي. استغربت ذلك. كنت قد قرأت لعلي الوردي في التسعينيات بعين شاب إسلامي متحمس. ورفضت كثيرًا من أفكاره. وربما حاكمت بعضها قبل أن أفهم سياقها ومنهجها. ثم عدت بعد سنوات إلى كتبه بعين أخرى. بعين الباحث والمؤلف الذي يميز بين نقد الفكرة وإنكار قيمة صاحبها. وبين الاختلاف مع النتائج والاستخفاف بالمشروع كله.
لا أرى علي الوردي معصومًا. وقد كتبت عنه موافقًا وناقدًا. لكن الإنصاف يفرض القول إن الرجل لم يكن هيّنًا. كان جسورًا في زمن شديد الاضطراب تتنازعه الاتجاهات القومية والشيوعية والإسلامية والبعثية والليبرالية. وفي مثل ذلك الزمن كان الكاتب معرضًا لأن يتحول إلى لسان حزب أو تيار. إلا أن الوردي حاول أن يطرح ما يراه ولو أغضب هذا الطرف أو ذاك. وربما كان هذا هو وجه الشبه الذي رآه بعض الحاضرين يومها. لا في الأفكار نفسها. بل في الجرأة على نقد المجتمع. وفي رفض تحويل الخطاب إلى تبرير دائم لما اعتاده الناس أو اصطفوا خلفه. وكثير ممن هاجموا علي الوردي لم يقرؤوا مشروعه كاملًا. اختزلوه في عبارة عن ازدواجية الشخصية العراقية. ثم جعلوا منها عنوانًا للحكم عليه كله. أما من قرأ «منطق ابن خلدون» و«الأخلاق» و«خوارق اللاشعور» و«وعاظ السلاطين» و«مهزلة العقل البشري» فسيدرك أنه كان يقدم مشروعًا فكريًا واجتماعيًا واسعًا. سواء اتفقنا معه أم اختلفنا. والمشكلة أن بعض الناس لا يقرأون المفكر. بل يقرأون عنه. ولا يناقشون المشروع. بل يناقشون الصورة التي صنعتها الخصومات.
ومن هنا أصل إلى وجع الحاضر. كثيرًا ما أتردد قبل نشر ما أكتب. لا خوفًا من أحد. بل لأنني أسأل نفسي. هل سيُقرأ الكلام بوصفه فكرة تستحق النقاش. أم سيُسحب فورًا إلى ساحة التجاذب والاتهام؟ حتى في الأزمنة السابقة. زمن القومية والشيوعية والإسلامية والبعثية. كانت هناك انتماءات تنبع أحيانًا من قناعات حقيقية. حتى لو كانت خاطئة. كان الإنسان يعتنق فكرة ويجادل من أجلها لأنه يؤمن بها. أما اليوم فنحن لا نواجه دائمًا أفكارًا. بل نواجه أحيانًا سوء أخلاق وعنتريات واستعراضات فارغة. لا نناقش مضمونًا. بل نصطدم بأشخاص يتعاملون مع كل نقد بوصفه إعلان حرب. إن من أعظم مشكلات العراق اليوم أن بعض القيادات تركت أتباعها يميلون كل الميل على خصومهم. ولم تضع أمامهم حدًا أخلاقيًا يقفون عنده. وكأن من حق التابع أن يسب ويهين ويخاصم ما دام يظن أنه يدافع عن حزبه أو جماعته أو قيادته. ثم تتغير القيادة. قد تكون اليوم مع جهة ثم تصبح غدًا ضدها. وقد تتصالح بعد عداوة. أو تعادي بعد صداقة. أو تتراجع عن خطاب ظلت سنوات تحشد الناس من أجله. لكن الأتباع يبقون هم الذين يدفعون الثمن.
يتصارعون اليوم تنفيذًا لرغبة القيادة. فإذا تغير موقفها تغيرت جهة الصراع. وإذا عادت إلى موقفها السابق عادوا معها. وفي كل مرحلة يعيدون إنتاج الحجج نفسها. وكأن الحقيقة تتغير كلما تغير المزاج السياسي. وهنا لا بد أن نسأل مرة أخرى. هل هذه المجاميع. دينية كانت أم غير دينية. شبابية أم عشائرية. عقائدية أم حزبية. تحمل في رؤوسها عقولًا تفكر. أم أنها تحولت إلى أدوات تتحرك بإرادة غيرها؟ إن الإنسان لن يقف بين يدي قيادته يوم الحساب. بل سيقف بين يدي الله سبحانه وتعالى. وسيُسأل عن عقله وإرادته واختياره. وعن الظلم الذي مارسه. وعن الخصومة التي أججها. وعن الكلمة التي قالها من دون بصيرة. قد يقول قائل. نحن نؤمن بقياداتنا وأحزابنا ولا نريد تغيير قناعاتنا. أقول. لا بأس. لا تغيروا قناعاتكم. ابقوا على ما ترونه حقًا. لكن احترموا المختلف معكم. هذه هي النقطة الجوهرية. ليس مطلوبًا من الإنسان أن ينسلخ عن كل ما يؤمن به. بل المطلوب ألا يفرض إيمانه السياسي أو الفكري على الآخرين. وإذا نُقد فلا يحول النقد إلى عداوة. لأنه ليس معصومًا. وقيادته ليست معصومة. وحزبه لا يملك الحقيقة كلها.
والكلام نفسه يوجه إلى الناقد. فمن أراد النقد فليحسن النقد. لا يجعله شتيمة. ولا يحوله إلى تشهير. ولا يغلق على المخالف كل أبواب الرجوع. فالنقد الذي لا يترك للإنسان طريقًا إلى المراجعة لا يصلح الخطأ. بل يدفع صاحبه إلى التمسك به دفاعًا عن كرامته. إن المجتمع السليم لا يقوم على غياب الاختلاف. بل على إدارة الاختلاف. وتبدأ الكارثة حين تتحول القناعة إلى عصمة. وحين يصبح الانتماء بديلًا عن العقل. وحين يرى الإنسان أن كل ما يصدر عنه أو عن جماعته صحيح قبل وقوعه وبعده. كتب علي الوردي عن طبيعة العقل البشري ومقاومته للجديد. فالإنسان كثيرًا ما ينكر الفكرة الجديدة. ثم يقبلها بعد أن يظهر ما هو أحدث منها. لكن مشكلتنا اليوم أشد. بعض الناس لا يرفض الجديد فقط. بل يرفض حتى الاعتراف بخطئه القديم بعد أن ينكشف. يبرر الماضي والحاضر. ثم يستعد لتبرير المستقبل. وكأن كل ما يصدر عنه صحيح في جميع الأحوال. وهذه ليست ثباتًا على المبدأ. بل تعطيل للعقل.
الثبات الحقيقي هو الثبات على القيم. لا على الأخطاء. هو الثبات على العدل والصدق واحترام الإنسان. لا على الخصومة والاتهام والتبرير. أما أن تتغير المواقف كلها. ويبقى الفرد مصرًا على أنه كان مصيبًا في كل حال. فهذه ليست قناعة. بل هروب من مراجعة النفس. والسؤال الذي يجب أن يواجهه كل تابع هو هذا. إذا كان القائد يراجع نفسه ويغيّر موقفه. فلماذا لا يتعلم التابع فضيلة المراجعة أيضًا؟ لماذا يكون التغيير حقًا للقيادة وحدها. بينما يبقى التابع مطالبًا بالدفاع عن كل مرحلة وكأنها مقدسة؟ قد تتصالح القيادات. لكن الأتباع يظلون في المعركة. قد يجلس الخصوم إلى طاولة واحدة. فيما يستمر من قاتلوا عنهم في حمل الجراح والعداوات. القيادات تغير تحالفاتها. أما الأتباع فيحتفظون بالكراهية التي زُرعت فيهم.
شهد الله سبحانه وتعالى أنني أتألم حين أرى أبناء جلدتي يتصارعون بهذه الطريقة. ليس لأنني أريد منهم أن يتفقوا في كل شيء. بل لأنني أريدهم أن يختلفوا من دون أن يهدموا ما بينهم. أريدهم أن يحتفظوا بعقولهم داخل الجماعة. وبأخلاقهم داخل الصراع. وبحقهم في المراجعة داخل الانتماء. من حق الإنسان أن يبقى محبًا أو مؤيدًا أو منتميًا. لكن ليس من حقه أن يسلم عقله لغيره. ومن حقه أن يدافع عن فكرته. لكن ليس من حقه أن يهين الناس من أجلها. ومن حقه أن يغير قناعته. لكن عليه حين يغيرها أن يمتلك شجاعة الاعتراف. لا مهارة إعادة كتابة الماضي. إن مستقبل العراق لا يحتاج إلى أتباع أكثر. بل إلى عقول أكثر. ولا يحتاج إلى جماعات أشد صخبًا. بل إلى أفراد أشد مسؤولية. فالإنسان الذي لا يحتفظ بعقله داخل جماعته سيفقد أخلاقه عند أول صراع. ثم يكتشف بعد فوات الأوان أن القيادات مضت إلى مصالحها. وبقي هو وحده يدفع ثمن المعركة.
وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين
نقلا عن : صفحة الكاتب




