الأخبارمقالات و تحليلات

الخوف من الكرسي الأعلى : كيف تضيع فرص الاستقرار والتنمية؟ / كتب ا.د كريم فرمان

ا.د كريم فرمان / كاتب عراقي اكاديمي واستاذ القانون والنظم السياسية في جامعة الأخوين.افران المغرب.سابقا

في كواليس صناعة القرار داخل الأنظمة الشمولية، لا تُصنع السياسات بالنقاش البنّاء أو بدراسات الجدوى الحقيقية، بل بصمت الخوف ومحاباة “الرجل القوي”. إن الحادثة الشهيرة في المؤتمر العشرين للحزب الشيوعي السوفيتي عام 1956، عندما ألجم نيكيتا خروشوف صاحب القصاصة المجهولة والتي وردت إلى منصة المؤتمر بينما كان خروشوف يكيل النقد القاسي الى سلفه في الزعامة ستالين، وكتب فيها( لماذا لم تتحدث رفيق خروشوف بهذا عندما كان ستالين حيا ! ) طلب خروشوف من صاحب الورقة المجهولة ان ينهض ويعرف بنفسه ! الا ان أحدا لم ينهض او يستجب لنداءه وهنا رد عليه بقوله: “إن الخوف الذي يمنعك من الوقوف الآن، هو ذاته الذي منعني من الكلام في حياة ستالين”. تلخص بدقة كيف يتحول الخوف من المسؤول الأعلى إلى شلل جماعي يصيب عقل الدولة، ويُهدر فرص الاستقرار والتنمية.

أولاً: المعادلة السياسية والاقتصادية لصناعة التضليل.

فالخوف في البيئات السياسية والاقتصادية ليس مجرد شعور إنساني عابر، بل هو أداة ممنهجة لتعطيل العقل الاستراتيجي للدولة. عندما يخشى المسؤولون الأدنى مرتبة غضب القائد أو فقدان مناصبهم، تتحول البيئة الإدارية إلى مصيدة للأزمات من خلال ثلاث معضلات:

 

* غياب الرقابة والمحاسبة: تتحول الميزانيات والمشاريع الكبرى إلى أدوات لإرضاء رغبات ومزاجية الزعيم، دون الالتفات إلى أولويات السوق أو العوائد التنموية.

* تزييف المؤشرات الرقمية: يميل المسؤولون لرفع تقارير وردية كاذبة تخفي العجز التنموي الحقيقي خوفاً من العقاب أو الإقصاء، مما يعمق الأزمات الهيكلية خلف الستار.

* عزل القيادة عن الواقع: يُحجب الرأي الآخر تماماً، وتُخنق الأصوات التحذيرية، مما يضمن اتخاذ قرارات سياسية واقتصادية كارثية تُبنى على أوهام “التقارير المفبركة”.

 

ثانياً: شواهد عالمية.. “القفزة الكبرى” التي تحولت إلى مجاعة

إذا كان الخوف في الاتحاد السوفيتي قد كتم الأنفاس، فإنه في الصين الماوية قد تسبب في واحدة من أكبر الكوارث الاقتصادية والإنسانية في القرن العشرين خلال حملة “القفزة الكبرى للأمام” (1958-1962).

أطلق ماو تسي تونغ حملة اقتصادية طموحة تهدف لزيادة إنتاج الصلب والمحاصيل الزراعية بسرعة فائقة. وبسبب الخوف من معارضة فكرة الزعيم أو الاعتراف بالفشل، اندفع المسؤولون المحليون لرفع تقارير كاذبة تضاعف أرقام إنتاج الحبوب الفعلي لإرضائه. وعندما زار ماو بعض القرى، قام المسؤولون بنقل المحاصيل من مناطق أخرى ووضعها على أطراف الطريق ليراها! استمر الخوف في حجب الحقيقة الصادمة حتى وقعت “مجاعة الصين الكبرى” التي حصدت أرواح الملايين وأطاحت بفرص تنموية هائلة، فقط لأن أحداً لم يجرؤ من الناحية السياسية على قول: “سيادة الرئيس، أرقامنا الاقتصادية منهارة على أرض الواقع”.

ثالثاً: مفارقة الديكتاتور.. عمران الجسد وخراب الروح

ثمة مفارقة تاريخية تستحق التأمل؛ فالديكتاتوريات عبر التاريخ لم تكن عاجزة عن البناء المادي. من الفراعنة الذين شيدوا الأهرامات بدموع السخرة، إلى نبوخذ نصر وأسوار بابل، وصولاً إلى ستالين الذي نقل الاتحاد السوفيتي من مجتمع زراعي إلى قوة صناعية ونووية هزمت الفاشية، مروراً بأنظمة شتى شيدت منشآت ومصانع كبرى.

لكن هذا الإعمار يظل “عمراناً مشوهاً”؛ لأنه يبني المصانع والمدن، لكنه يهدم الإنسان والمؤسسات. إن البناء الاقتصادي الصحيح لا يقوم على الخوف، لأن المنجزات المادية التي تُشيد تحت سوط الترهيب تفتقر إلى مرونة البقاء؛ فهي تسقط برحيل الديكتاتور، أو تتآكل من الداخل بسبب الفساد المقنّع والمحاباة وعزوف الكفاءات وغياب الرقابة والمحاسبة الحقيقية.

رابعاً: الحرية والمؤسسية.. البنية التحتية الحقيقية للمستقبل

إن العبرة التاريخية المقترنة بالتحليل السياسي والاقتصادي تفيد بأن الخوف هو الكابح الأول لعجلات التنمية المستدامة. إن الدول لا تصنع نهضتها بـ “المسؤولين التكنوقراط” الذين يتقنون النفاق الإداري ويصفقون لكل فكرة، بل بـ “المستشارين الشجعان” والمؤسسات الرقابية المستقلة التي تملك رفاهية الاختلاف، وتقديم الحقيقة العارية لصانع القرار دون توجّس من إقصاء أو تنكيل.
ومهما بلغت عظمة المؤشرات الرقمية الآنية، أو ضخامة المشاريع العملاقة، أو هيبة البنى التحتية الشاهقة، فإنها تظل شواهد مادية قابلة للانهيار والاندثار إذا غابت عنها الروح المؤسسية. فالمنجزات التي تُشيد تحت مظلة الترهيب تفتقر إلى “مرونة البقاء” وآليات التصحيح الذاتي؛ وهي حتماً إما أن تسقط برحيل الزعيم ، أو تتآكل تدريجياً من الداخل تحت وطأة الفساد المقنّع والمحاباة العمياء وغياب الشفافية.

إن الاستقرار السياسي والاقتصادي الحقيقي ليس صمت القبور الذي تفرضه القبضة الحديدية، بل هو الحراك الحيوي، والتكامل بين القيادة والمؤسسات, والنقد البنّاء الذي تصنعه الحرية المسؤولة. وبدون بيئة دستورية وقانونية تضمن للمسؤول والمواطن على حد سواء قول الحقيقة للمسؤول الأعلى دون خوف، ستظل دول عديدة تدور في حلقة مفرغة: تبني نهاراً بيد السلطة، وتهدم ليلاً بيد الخوف، لتدفع الشعوب في النهاية كلفة أوهام استبدادية، وتضيع فرصاً تاريخية لا تُعوّض للحاق بركب التطور وحجز مكان لائق في خارطة المستقبل.

 

المصدر : الكاتب 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى