كهرباء نواكشوط بين الحرائق والحلول المؤجلة.. هل تكفي الأوامر العليا لإنهاء الأزمة؟/احمد الدوه

لم تعد أزمة الكهرباء في نواكشوط مجرد انقطاعات عابرة أو أعطال فنية محدودة، بعدما تسببت الحرائق التي طالت مركزين رئيسيين للتحويل في اتساع رقعة الانقطاعات، ووضع سكان عدد من أحياء العاصمة أمام أزمة تمس تفاصيل حياتهم اليومية.
ومع تفاقم الوضع، تحرك رئيس الجمهورية محمد ولد الشيخ الغزواني ميدانياً للوقوف على حجم الأضرار ومتابعة التدخلات الجارية، موجهاً الحكومة إلى تعبئة الوسائل الضرورية وتسريع عمليات الإصلاح، مع الالتزام بمعايير السلامة والأمان.
وقد أعادت هذه التطورات ملف الكهرباء إلى واجهة اهتمامات الرأي العام، ليس فقط من زاوية سرعة إعادة التيار، وإنما من زاوية أعمق تتعلق بمدى جاهزية المنظومة الكهربائية وقدرتها على الصمود أمام الأعطال والحرائق والضغط المتزايد.
فالمواطن الذي ينتظر عودة الكهرباء لا تعنيه كثيراً البيانات والتبريرات، بقدر ما يعنيه أن تظل الخدمة مستقرة، وأن يجد حلولاً دائمة لا ترتبط كل مرة بتدخل استعجالي بعد وقوع الخلل.
أزمة تتجاوز الحريق
إن احتراق مركزين رئيسيين في فترة متقاربة لا ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره مجرد حادث فني عابر، بل يستحق وقفة جادة لتقييم واقع شبكة الكهرباء، ومدى صيانة محطات التحويل، وقدرتها الاستيعابية، وفعالية خطط الطوارئ والبدائل المتاحة عند خروج إحدى المحطات عن الخدمة.
فالعاصمة تتوسع، وعدد السكان يتزايد، والطلب على الكهرباء يرتفع باستمرار، بينما لا يمكن لمنظومة بهذا الحجم أن تظل رهينة حلول مؤقتة أو تدخلات لا تبدأ إلا بعد وقوع الأزمة.
ومن هنا، فإن المطلوب ليس فقط إعادة التيار إلى المنازل، وإنما البحث عن الأسباب التي تجعل الشبكة عرضة لمثل هذه الاختلالات، ومعالجتها من جذورها، حتى لا تتكرر الأزمة غداً بصورة أكبر.
الأوامر العليا.. والحل المستدام
لقد فرضت الأزمة تدخلاً رئاسياً عاجلاً، وأوامر واضحة بتسريع التدخلات وتعبئة كل الوسائل الضرورية لإعادة الخدمة.
وهو تدخل مطلوب ومهم في لحظة الأزمة، لكنه ينبغي ألا ينتهي بمجرد عودة التيار.
فالأهم هو أن تتحول هذه الأزمة إلى فرصة لمراجعة شاملة لمنظومة الكهرباء في نواكشوط، من المحطات وشبكات النقل والتوزيع إلى الصيانة والتجهيزات ووسائل التدخل السريع، مع وضع خطة واضحة تمنع تكرار السيناريو نفسه.
فلا يكفي أن نطفئ الحريق كلما اندلع، بل ينبغي أن نسأل: لماذا اندلع؟ وكيف نمنع اندلاعه مرة أخرى؟
وهل تكون المأمورية الثالثة هي الحل؟
في خضم الأزمة، يبرز في لدي طيف سياسي من الاغلبية خطاب يدعو إلى مأمورية ثالثة للرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني، ويقدمها بعض أنصاره باعتبارها امتداداً لمسار الإصلاح والاستقرار.
لكن المواطن الذي يعيش أزمة الكهرباء قد يطرح سؤالاً مختلفاً: هل تكمن المشكلة في عدد المأموريات ؟أم في قدرة المؤسسات على تقديم خدمات مستقرة وفعالة خلال المأمورية القائمة؟
فالمأمورية، أياً كان عددها، لا يمكن أن تكون بديلاً عن الإصلاح المؤسسي، ولا عن بناء منظومة كهربائية قادرة على حماية المواطن من الانقطاعات المتكررة.
إن معيار النجاح الحقيقي لأي مرحلة سياسية ليس طول مدتها، وإنما ما تتركه من مؤسسات أكثر كفاءة، وخدمات أكثر استقراراً، وحياة أفضل للمواطنين.
ولذلك، فإن أزمة الكهرباء قد تكون مناسبة لفتح نقاش أوسع حول أولويات المرحلة:
هل نحتاج إلى مزيد من الشعارات السياسية، أم إلى استثمارات عاجلة في البنية التحتية، وصيانة حقيقية، ومحاسبة فنية وإدارية، وخطط طوارئ تمنع انهيار الخدمة عند أول حريق؟
المواطن يريد الكهرباء.. لا الوعود
في النهاية، المواطن لا ينتظر مناقشة سياسية طويلة عندما تنقطع الكهرباء؛ هو يريد أن تضيء منزله، وأن تعمل أجهزة التبريد والمياه والمرافق الصحية والمحلات والمؤسسات.
ويريد قبل ذلك كله أن يشعر بأن هناك منظومة قادرة على حمايته من تكرار الأزمة.
إن إعادة التيار اليوم ضرورة عاجلة، لكن منع انقطاعه غداً هو التحدي الحقيقي.
ولعل الرسالة الأهم التي ينبغي أن تخرج بها نواكشوط من هذه الأزمة هي أن الكهرباء ليست ترفاً ولا ملفاً موسمياً، بل خدمة أساسية وأمن اجتماعي واقتصادي، تستحق حلولاً جذرية ومستدامة.
أما المأمورية الثالثة، فتبقى موضوعاً سياسياً للنقاش، لكن الحل الحقيقي لأزمة الكهرباء لن يأتي من تمديد المأموريات، وإنما من إصلاح المنظومة، وتقوية المؤسسات، وحماية المواطن من أن يصبح كل عطل أو حريق بداية لأزمة جديدة.
تولانا الله بلطفه ورحمته




