الأديب البحريني إبراهيم المنسي يكتب : الأدب عند الكاتبة سهام عبد الله ليس وسيلة للتعبير فحسب، بل آلية لترميم الذاكرة، والوجع، والحنين، والذات الممزّقة.
في قراءة تحليلة لزاويتها الاسبوعية في "الصدى" المنشورة تحت عنوان : الأدب ذاكرةٌ تكتب نفسها لتنجو"

في قراءة تحليلة لزاويتها الاسبوعية في “الصدى” المنشورة تحت عنوان : الأدب ذاكرةٌ تكتب نفسها لتنجو”
أولاً: المدخل العام للنص
النص الذي بين أيدينا ليس مجرد مقالة أدبية، بل هو نشيدٌ داخليٌّ للحرف والنجاة، يقدّم رؤيةً فلسفية عميقة لمعنى الأدب بوصفه مساحة خلاصٍ روحيّ من أوجاع الإنسان وذاكرته.
كتبت سهام عبدالله هذا النص بلغةٍ مشبعةٍ بالصفاء والصدق، تستنطق من الحبر ماهية الوجود الإنساني، وتعيد تعريف الأدب كفعل بقاءٍ لا كترف لغوي.
ثانياً: البنية الفكرية للنص
يتأسس النص على فكرةٍ محورية:
“نكتب كي ننجو، لا كي نُقرأ.”
من هنا تتفرّع التأملات لتكوّن نسقًا دائريًا يعيد القارئ إلى ذاته.
الأدب عند الكاتبة ليس وسيلة للتعبير فحسب، بل آلية للترميم؛ ترميم الذاكرة، والوجع، والحنين، والذات الممزّقة.
فالكتابة – في منظورها – طقسُ خلاصٍ هادئ، يتحوّل فيه الألم إلى ضوءٍ لا يحرق، بل يكشف ويطهّر.
ثالثاً: الأسلوب واللغة
اللغة في النص تتوهّج بين النثر الشعري والفكر التأمّلي، بميزانٍ دقيقٍ بين العاطفة والفلسفة.
تستعمل الكاتبة ألفاظًا مشحونة بالإحساس مثل: الوجع، الحنين، الغياب، الجرح، الحبر، النجاة، العزاء، لتبني معجمًا شعوريًا يعبّر عن رحلة الإنسان في مواجهة ذاته.
وتُظهر اللغة وعيًا موسيقيًا داخليًا، إذ تتكرّر التراكيب ذات الإيقاع البطيء الحزين:
“نكتب لأننا خسرنا… نكتب كي نغادر… نكتب لأن الحروف تمنحنا…”
هذا التكرار يُضفي طابعًا إنشاديًا تأمّليًا، يحوّل النص إلى تراتيل للبوح والنجاة.
رابعاً: الصورة الفنية والرمز
تتجلّى الرمزية بعمقٍ في تحويل الكتابة إلى كائنٍ حيٍّ يشارك الكاتب معاناته:

“كأن الكتابة تعرف موعد انكسارنا قبلنا.”
هنا يصبح الحبرُ مرآةً للروح، والورقُ مكانًا يسكنه الغياب، والأدبُ بيتًا للذاكرة.
الكاتبة تُجيد استخدام التحويل الجمالي للألم، فبدل أن يكون الجرح صرخة، يصبح لغةً أنيقة:
“يجعل الجرح ينطق بلغةٍ أنيقة بدل أن يصرخ في العتمة.”
وهذا التحويل هو ما يمنح النص سحره وعمقه.
خامساً: الرؤية الجمالية والفلسفية
يُقدّم النص رؤيةً تُزاوج بين الفن والعزاء، فالأدب هنا ليس وسيلةً للبوح فقط، بل هو شكلٌ من الشفاء الجزئي، وتعبيرٌ عن إيمان الكاتبة بقدرة الحرف على إعادة ترتيب الفوضى.
تقول:
“هي ليست شفاءً تامًا، لكنها ترياقٌ يجعل النزف أجمل.”
بهذه الجملة تختصر الكاتبة فلسفتها كلها: الجمال لا يلغي الألم، بل يجمّله حتى يُطاق.
سادساً: البنية العاطفية
يستحضر النص طيف الحنين بوصفه المحرّك الخفي للكتابة.
الحنين عند سهام عبدالله ليس للمكان فقط، بل للحظاتٍ لم تجد وداعًا لائقًا.
إنه الحنين الإنساني لزمنٍ لم يعد، ولأشخاصٍ رحلوا وبقي أثرهم في الحبر.
ومن خلال هذا البعد الإنساني، يتجاوز النص خصوصيته ليصبح مرآةً لكل قارئٍ ذاق الفقد ووجد في الكتابة عزاءً.
سابعاً: الخاتمة والرؤية النقدية
يمكن القول إن سهام عبدالله تُعيد عبر هذا النص الاعتبار إلى الكتابة كضرورة وجودية.
فالأدب في منظورها ليس ترفًا، بل هو حياةٌ موازية تُكتب كي نحيا رغم الخسارات.
لقد نجحت في أن تجعل من النص لوحةً من الصدق البسيط والعمق المضيء، يتداخل فيها الإحساس بالفكر، والجمال بالحكمة.
وفي نهاية القراءة، يبقى صوت النصّ كاعترافٍ إنسانيٍّ جميل:
الأدب هو الذاكرة التي لا تشيخ، بل تكتب نفسها لتنجو… منا وإلينا.




