الأخبارصدى الاعلامفعاليات

من مشاهد إلى شريك.. المنتدى السعودي للإعلام .. يرسم علاقة جديدة بين الجمهور والإعلام؟

في زمنٍ يتدفق فيه الخبر أسرع من الفهم، لم يعد الجمهور يكتفي بمعلومة تمرّ سريعاً ثم تختفي، الجمهور يريد معنى يثق به، ومساحة يشارك فيها، وخطاباً إعلامياً يلتقط أسئلته قبل أن تضيع وسط الضوضاء.

من هنا يقدّم المنتدى السعودي للإعلام 2026 جوهر التحول الأهم في علاقة الجمهور بالإعلام: انتقال الجمهور من مقعد المشاهدة إلى دائرة الشراكة والتأثير، حيث تصبح الثقة أساس العلاقة، ويغدو التفاعل مقياساً لقوة الرسالة، ويُختبر الإعلام في قدرته على بناء سردٍ أعمق لا يكتفي بسرعة النشر، وخلال الفترة من 2 إلى 4 فبراير 2026 في الرياض، ينعقد المنتدى في نسخته الخامسة بوصفه منصة إعلامية رائدة تستقطب سنوياً صناع الإعلام وصناع القرار، وتستكشف التحديات والفرص، التي تسهم في تطوير الصناعة الإعلامية على المستويين المحلي والإقليمي، ضمن رؤية تعزز التبادل والتعاون الإعلامي وتنمي القدرات وتحفز الابتكار وتبني جسور تواصل محلياً وعالمياً. والفكرة الأساسية التي يضعها المنتدى في قلب النقاش تتمحور حول حقيقة أصبحت واضحة، هي أن الانتباه وحده لم يعد كافياً، فالانتباه قد يتحقق بلحظة مثيرة أو عنوان لافت، لكنه لا يبني علاقة طويلة، ولا يصنع تأثيراً مستقراً، وما يصنع العلاقة فعلياً هو الثقة؛ الثقة في دقة الرسالة، وفي وضوحها، وفي توازنها، وفي احترامها لعقل الجمهور. وعندما تتأسس الثقة، يتحول التفاعل من رد فعل سريع إلى مشاركة واعية، لأن الجمهور يتفاعل مع ما يشعر أنه يستحق، لا مع ما يثير فقط، وهنا يبدأ معنى من مشاهد إلى شريك، فالجمهور يختبر الرسالة، ويقارنها، ويمنحها شرعية البقاء حين يراها جديرة بالثقة. وتفرض هذه العلاقة الجديدة على الإعلام أن يعيد تعريف نجاحه، فالنجاح لم يعد في عدد المشاهدات وحده، بل في قدرة المحتوى على خلق تفاعل حقيقي نابع من اقتناع، وعلى بناء صلة مستمرة مع الجمهور قائمة على الاعتماد والثقة، وعندما يصبح التفاعل معياراً، تتحول العلاقة إلى شراكة غير معلنة: الجمهور يشارك في تحديد ما يستحق المتابعة، وما يحتاج إلى شرح، وما يتطلب عمقاً أكبر. بهذا المعنى، تُصبح الثقة والتفاعل ليسا إضافة للعمل الإعلامي، بل شرطين لبقاء تأثيره. وسط منصات تتغير باستمرار، تتغير معها طرق الوصول وأشكال الرسائل، فالضوضاء المتزايدة وتعدد القنوات يجعل التأثير أكثر صعوبة، لأن الرسالة تنافس آلاف الرسائل في اللحظة نفسها، وفي هذه البيئة، تتقدم فكرة الرسائل التي تتكيّف: الإعلام الذي يظل مؤثراً هو الذي يتقن تغيير الشكل دون أن يفقد جوهر المعنى، ويعرف كيف يصوغ رسائله بحيث تُفهم بسهولة وتصل إلى مختلف الأعمار. التكيّف هنا لا يعني مطاردة كل موجة، بل يعني امتلاك لغة واضحة وسلسة ومتوازنة بين الفني والسهل، مع قدرة على اختصار الفكرة دون تفريغها من مضمونها، وعلى توضيحها دون إغراق في التعقيد، وعندما ينجح الإعلام في ذلك، يصبح للجمهور دور أكبر، لأن وضوح الرسالة يفتح باب المشاركة بدلاً من أن يغلقه بالتشويش. ويأتي الامتحان الأكبر في مرحلة ما بعد التحول الرقمي، الذي رفع سرعة النشر، وسهّل الوصول، وغيّر إيقاع الأخبار، لكنه لم يضمن تلقائياً جودة الفهم، وهنا تتقدم معادلة جديدة: الانتقال من سرعة النشر إلى عمق السرد، فالسرعة تنقل الحدث، لكن عمق السرد يفسره ويضعه في سياقه ويمنح الجمهور مفاتيح فهمه، والجمهور الذي يُطلب منه أن يكون شريكاً يحتاج إلى هذا العمق؛ لأن الشراكة لا تقوم على العناوين وحدها، بل على معنى واضح يمكن مناقشته وتقييمه والتفاعل معه. وعمق السرد لا يعني الإطالة، بل يعني بناء رسالة تساعد على الفهم، لماذا حدث الأمر؟ وكيف تطور؟ وما الذي يعنيه؟ عندما يتم تقديم الخبر بهذه الروح، ينتقل الجمهور من الاستهلاك السريع إلى مشاركة واعية، وحين تصبح المشاركة واعية، تصبح الثقة أكثر رسوخاً، ويصبح التفاعل أكثر قيمة، لأن الجمهور لا يتفاعل مع فراغ، بل مع معنى، وهذا بالضبط ما يجعل التحول الذي يطرحه التقرير مرتبطاً بالمنتدى السعودي للإعلام 2026 ارتباطاً مباشراً، فالمنتدى يستكشف تحديات الصناعة وفرصها، وأحد أهم هذه التحديات هو صناعة علاقة جديدة مع الجمهور تحوّل التلقي إلى مشاركة، وتحوّل المتابعة إلى شراكة. وخلاصة الصورة أن المنتدى السعودي للإعلام 2026 يضع أمام قطاع الإعلام اختباراً يحدد شكل المرحلة المقبلة: علاقة مع الجمهور تقوم على الثقة قبل الانتباه، وعلى التفاعل بوصفه معياراً للتأثير، وعلى عمق السرد بوصفه طريقاً للفهم، وعندما تتحقق هذه المعادلة، يصبح الجمهور شريكاً في تشكيل الرسالة لا مجرد متلقٍ لها، ويستعيد الإعلام قيمته الأساسية بأن يكون مفهوماً، وموثوقاً، وقادراً على صناعة تأثير يستمر.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى