إفريقي ومغاربيالأخبار

مجزرة كاييس في مالي.. من يحاسب قتلة سائقي الشاحنات وحدود العدالة الدولية في الساحل؟

أعادت المجزرة التي استهدفت سائقين مدنيين في غرب مالي نهاية يناير/كانون الثاني الماضي إلى الواجهة سؤال العدالة والمساءلة في منطقة الساحل، بحسب ما أوردته مجلة جون أفريك الفرنسية.
فقد أقدم مسلحون من جماعة “نصرة الإسلام والمسلمين” على قتل ما لا يقل عن 15 سائق شاحنة صهريج في منطقة كاييس، أثناء محاولتهم نقل الوقود إلى العاصمة باماكو، في واحدة من أعنف الهجمات التي شهدتها البلاد في الأشهر الأخيرة.
ونقلت المجلة عن ممثل للنقابة الوطنية لسائقي الشاحنات والنقل الطرقي في مالي قوله إن الهجوم بدأ باستهداف القافلة ومرافقيها من العسكريين، قبل أن يعمد المسلحون إلى احتجاز السائقين الذين نجوا واقتيادهم رهائن، ليتم إعدامهم لاحقًا قرب إحدى القرى المجاورة.
وبحسب خبراء أمميين، فإن طبيعة هذه الأفعال قد ترقى إلى جرائم ضد الإنسانية، إذا ثبت أنها ارتُكبت في إطار هجوم واسع النطاق أو منهجي موجه ضد السكان المدنيين. ونقلت المجلة عن الخبير المستقل لدى مجلس حقوق الإنسان، إدواردو غونثاليث، أن هذا التوصيف القانوني قد يفتح الباب نظريًا أمام ملاحقات قضائية دولية.
وأشارت جون أفريك إلى أن الجماعة المسلحة كانت قد وجّهت تهديدات علنية لسائقي الشاحنات الصهريج في نوفمبر/تشرين الثاني 2025، واعتبرتهم “أهدافًا عسكرية”، متهمة إياهم بدعم الجيش المالي، وهو ما تُرجم لاحقًا إلى هجوم دموي في كاييس.
غير أن مسألة المحاسبة تصطدم بتعقيدات سياسية وقانونية، في ظل إعلان مالي، إلى جانب بوركينا فاسو والنيجر، في سبتمبر/أيلول 2025، نيتها الانسحاب من المحكمة الجنائية الدولية بدعوى حماية السيادة الوطنية. ورغم أن هذا الانسحاب لم يُفعّل رسميًا بعد، لعدم استكمال الإجراءات القانونية، فإن حالة الغموض التي أحاطت بالقرار أثارت تساؤلات بشأن مستقبل الاختصاص القضائي الدولي في المنطقة.
كما أشارت المجلة إلى مفارقة تواجه دول الساحل، إذ تحتاج إلى آليات دولية لملاحقة الجماعات المسلحة، لكنها تتحفظ في الوقت نفسه خشية ملاحقة عناصر من جيوشها أو من القوات الرديفة، في ظل تقارير عن انتهاكات بحق مدنيين.
وفي هذا السياق، أعلنت بعض دول الساحل نيتها إنشاء “محكمة جنائية ساحلية” كبديل إقليمي، غير أن هذه المبادرة لا تزال في إطار التصريحات السياسية، دون قيام هيكل قانوني أو مؤسسي فعّال حتى الآن.

تكشف مجزرة كاييس هشاشة منظومة العدالة في منطقة الساحل، حيث تتقاطع اعتبارات السيادة الوطنية مع ضرورات المساءلة الدولية. فبين الانسحاب المحتمل من المحكمة الجنائية الدولية، وتعثر إنشاء آلية قضائية إقليمية، يبقى الضحايا في مواجهة فراغ قانوني يهدد بتكريس الإفلات من العقاب.
إن العدالة، سواء كانت وطنية أو دولية، ليست مسألة سيادة فحسب، بل ركيزة للاستقرار وبناء الثقة. وفي غياب مسار واضح للمحاسبة، قد تتحول الجرائم المتكررة إلى نمط مألوف في بيئة مضطربة أصلًا، ما يعمّق أزمة الأمن والشرعية في دول الساحل.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى