الأخبارفضاء الرأي

الحقوق بين الحقيقة والتوظيف: تفكيك خطاب الفتنة/أحمد محمد حماده

أحمد محمد حماده كاتب وناشط سياسي

لا تولد الفتنة من فراغ، ولا تنتشر صدفة، ولا تستمر دون من يغذيها ويستثمر فيها. فهي، في كثير من السياقات، تتحول إلى أداة سياسية مكتملة، لها خطابها وآلياتها ورأسمالها الرمزي، وجمهورها الذي يُعاد تشكيل وعيه باستمرار. وفي موريتانيا، لم يعد ممكنًا النظر إلى خطابات الكراهية والتحريض بوصفها انحرافات فردية أو ردود فعل عابرة، بل باتت جزءًا من منظومة اشتغال سياسي تُوظَّف لتقويض الثقة، وتفكيك المجتمع، وإضعاف الدولة.

ما وقع قبل أيام من احتكاك وعنف بين بعض مناصري حركة إيرا وقوات الشرطة لا يمكن فصله عن هذا السياق العام. فالخطورة لا تكمن فقط في وقوع العنف نفسه، بل في الطريقة التي جرى بها تسييس الخطاب الحقوقي وتحويله من أداة للمساءلة السلمية إلى وسيلة للتصعيد وبث الشائعات، وعلى رأسها الترويج والكثيف لخبر كاذب عن سقوط قتيل، دون أي تثبت، وفي لحظة توتر قصوى.

هذا النمط من السلوك ليس بريئًا ولا عفويًا. إنه جزء من استراتيجية معروفة تقوم على رفع منسوب الانفعال، وفرض سردية جاهزة قبل ظهور الوقائع، وتحويل كل احتكاك مع الدولة إلى دليل مسبق على “القمع” و“الاستهداف”، بغضّ النظر عن السياق أو المسؤوليات أو احترام القانون. هنا يتحول الخطاب الحقوقي من قيمة أخلاقية نبيلة إلى سلاح سياسي، يُستخدم لتجريم الدولة بشكل شامل، ونزع الشرعية عن مؤسساتها، وتعبئة الغضب بدل إدارة الاختلاف.

إن بث شائعة سقوط قتيل في مثل هذه الظروف ليس خطأً إعلاميًا عابرًا، بل فعل بالغ الخطورة، لأن الكذب في لحظات الاحتقان ليس مجرد معلومة خاطئة، بل شرارة محتملة لعنف أوسع. ومن يروّج هذه الأخبار يعلم أن نفيها لاحقًا لا يلغي أثرها، لأن الغاية ليست الحقيقة، بل الصدمة والتأجيج وكسب نقاط سياسية على حساب السلم الأهلي.

لكن هذه الممارسات لا تنشأ في فراغ. فهي تجد بيئة ملائمة في ظل تآكل النقاش السياسي الجاد، وانحدار الصراع من مستوى البرامج والرؤى إلى مستوى الهويات والمشاعر. حين تعجز بعض التيارات عن إنتاج مشروع وطني قابل للنقاش، تلجأ إلى أسهل الطرق: الاستثمار في الغضب، تحويل المظلومية إلى هوية سياسية دائمة، واختزال الدولة في صورة خصم مطلق. وبهذا المعنى، تصبح الفتنة اقتصادًا قائمًا بذاته، يعيش على التوتر، ويتغذى من الاستقطاب، ولا مصلحة له في الحل أو التهدئة.

ومع توسع الفضاء الرقمي، انتقلت هذه الظاهرة إلى مستوى أخطر، حيث لم يعد تقويض الدولة يتم عبر المواجهة المباشرة، بل عبر العنف الرمزي: التشكيك الدائم، السخرية الممنهجة، تبسيط القضايا المعقدة، وتحويل كل إجراء مؤسسي إلى مؤامرة. هذه الشعبوية الرقمية لا تقدم حلولًا، لكنها تنجح في أمر واحد بالغ الخطورة، وهو تآكل الثقة العامة، وهي العملة الأثمن في أي دولة.

في هذا السياق، يصبح أخطر ما يمكن أن ترتكبه الدولة هو الاعتقاد بأن الحياد فضيلة. فالحياد أمام خطاب يحرّض ويكذب ويستثمر في الفتنة ليس موقفًا أخلاقيًا، بل انحياز سلبي يفتح الباب أمام مزيد من التمادي. الفراغ المعلوماتي، والتأخر في تقديم الرواية الرسمية، وغياب الحزم القانوني، كلها عوامل تمنح الشائعات قوة إضافية، وتُشجّع على إعادة إنتاج السيناريو ذاته في كل مرة.

ومع ذلك، فإن الحزم لا يعني القمع، ولا يبرر الانتهاك. الدولة القوية هي التي تُخضع أجهزتها للمساءلة حين تُخطئ، لكنها في الوقت نفسه تفرض احترام القانون، ولا تقبل تحويل كل تدخل أمني إلى مادة تحريض سياسي. فاحترام القانون يجب أن يكون متبادلًا، ولا يمكن بناء دولة على منطق الاستفزاز الدائم ثم الادعاء بالضحية المطلقة.

في المقابل، تقع على عاتق الحركات والنشطاء الذين يرفعون راية الحقوق مسؤولية مضاعفة. فالمصداقية هي رأس المال الحقيقي لأي خطاب حقوقي، والكذب والمبالغة وتعميم الاتهام لا تخدم القضايا العادلة، بل تفرغها من مضمونها الأخلاقي، وتحوّلها إلى أدوات صراع سياسي. الدفاع عن الحقوق لا يكون بإشعال الشارع، ولا بتزييف الوقائع، ولا بتغذية الانقسام، بل بالعمل داخل إطار القانون، وبالضغط المسؤول، وبالالتزام بالحقيقة مهما كانت معقدة.

أما المجتمع، فلا يمكنه الادعاء بالبراءة. فإعادة نشر الأخبار غير الموثوقة، والانحياز العاطفي قبل التحقق، والمشاركة في خطاب الكراهية، تجعل من كل فرد جزءًا من المشكلة. الوعي هنا ليس ترفًا، بل شرطًا أساسيًا للاستقرار، لأن الفتنة لا تنتشر فقط بمن يطلقها، بل بمن يرددها دون تفكير.

ومن هنا، فإن الخروج من هذا المسار يتطلب مسؤولية مشتركة واضحة المعالم. على النظام أن يُرسّخ سيادة القانون دون انتقائية، وأن يقدّم رواية رسمية سريعة وشفافة في كل حادثة تمس السلم الأهلي، وأن يفتح تحقيقات جادة ومستقلة في أي تجاوز محتمل، بما يعزز الثقة ويقطع الطريق أمام الاستثمار السياسي في الغموض. وعلى الأحزاب السياسية أن تميّز بوضوح بين المعارضة المشروعة والتحريض المقنّع، وأن ترفض الاصطفاف وراء الشائعات أو الصمت عنها بدافع الحسابات الضيقة، لأن السياسة تُمارس بالبرامج والرؤى لا بتأجيج الشارع.

كما أن على المنظمات الحقوقية حماية مصداقيتها قبل كل شيء، عبر التثبت الصارم من الوقائع، والامتناع عن التسرع في الأحكام، ورفض تسييس الألم الإنساني، لأن الدفاع عن الحقوق لا يستقيم مع الكذب مهما كانت النيات المعلنة. ويقع على عاتق المفكرين والمثقفين كسر منطق الاستقطاب الحاد، واستعادة النقاش العقلاني، وفضح الخطابات التعبوية التي تختزل الدولة والمجتمع في ثنائيات قاتلة. أما الإعلاميون، فهم في قلب المعركة بين الحق والفتنة؛ فالمهنية والتحقق والتوازن ليست خيارات، بل مسؤولية وطنية، والإثارة الرخيصة ليست سبقًا صحفيًا، بل مشاركة في صناعة الفوضى.

موريتانيا لا تعاني من فائض تنوع، بل من سوء إدارة للاختلاف، ومن تسييس للألم، ومن استغلال للخطاب الحقوقي خارج سياقه الأخلاقي. والاختلاف إن لم يُضبط بالعقل والقانون، يتحول إلى أداة هدم. الحقوق لا تُحمى بالفوضى، ولا تُنتزع بالكذب، والدولة لا تُصان بالإنكار أو التردد.

ما جرى قبل أيام يجب أن يكون جرس إنذار للجميع. السياسة حق، والنقد مشروع، والاحتجاج السلمي مكفول، لكن الفتنة والتحريض وبث الشائعات الكاذبة خطوط حمراء. ومن يصر على تجاوزها يضع نفسه خارج منطق الدولة، ويجرّ البلاد إلى مسار خطير سيدفع الجميع ثمنه. وبين حق مشروع وفتنة مدمرة، يبقى الخيار واضحًا: إما حماية السلم الأهلي بالحقيقة والقانون، أو ترك الفتنة تقود الجميع إلى المجهول.

 

 

 

 

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى