أدان أحمد عثمان يوضح موقفه من المأمورية ومراجعة القيود الدستورية
خلال اللقاء الذي جمعنا، يوم أمس، بفخامة رئيس الجمهورية، الذي شرفنا بزيارته في مقاطعة أمبود العريقة، تطرقتُ في مداخلتي إلى مسألة المأمورية والقيود الدستورية المرتبطة بها. ولعل بعض ما قصدته لم يُفهم على وجهه الدقيق، لذلك رأيت من الواجب أن أبسط الفكرة في هذا المقال التوضيحي، درءاً لأي لبس، وحرصاً على أن يُقرأ موقفي في سياقه الصحيح.
إن حديثي لم يكن منصبّاً على اللحظة الراهنة فحسب، بل استحضر في جوهره منتديات عام 2006 وما أحاط بها من ظروف سياسية خاصة. فقد جاءت تلك المنتديات في أعقاب انقلاب أوقف حكماً شبه ديمقراطي دام أكثر من عقدين، وكانت البلاد يومئذ تعيش حالة من الترقب والقلق، فيما كان العسكر المنقلب متعطشاً لإحكام قبضته على السلطة. ومن هذا المنطلق، بدت التعديلات الدستورية آنذاك محاولةً مشروعة لوضع نصوص رادعة تكبح جماح التمادي في الحكم، وتؤسس لحدود زمنية تحول دون الاستئثار المطلق بالسلطة.
وعليه، جاءت التعديلات التي حصرت المأموريات في اثنتين، وقيّدت حق الترشح، ولا سيما في ما يتعلق بالمنتمين للأحزاب. غير أن هذه الإجراءات، وإن بدت مبررة في سياقها الزمني، كانت — في جوهرها — قيوداً على حرية الاختيار السياسي، وفرضت على الفاعلين في الساحة السياسية نوعاً من التخندق غير المقنع وغير المبرر، حتى وإن أُريد بها يومها ما سُمّي بتقوية المنظومة الحزبية في البلاد.
واليوم، وبعد مضي ما يربو على عشرين عاماً، وتبدل الظروف والمعطيات، أرى أن مراجعة تلك القيود أصبحت ضرورة سياسية ودستورية، لا من باب النكوص عن المبادئ، بل من باب التطوير الطبيعي للمشهد السياسي، وتمكينه من مواكبة التحولات ومتطلبات النضج المؤسسي. فالدساتير ليست نصوصاً جامدة، وإنما أطر تنظيمية قابلة للمراجعة كلما دعت الحاجة، حفاظاً على التوازن بين الاستقرار والحرية.
أما الذين يعودون بي إلى تدوينة قديمة كتبتها في سياق مغاير، فإني أؤكد أنني يومها التزمت بظرفها الزمني، ولم أكن — ولن أكون — ممن يقولون ما لا يضمرون. حين قلت «في هذا الظرف بالذات» كنت أعني تماماً ما أقول، إذ كانت آنذاك ملابسات وحيثيات لا تحتمل مزيداً من التعقيد، وكانت أمامنا في محيطنا الإفريقي شواهد وتجارب تدعو إلى الحذر وعدم «زيادة الطين بلة».
أما اليوم، فإنني أكرر قناعتي بأن مراجعة المنظومة الدستورية باتت أمراً لازماً، بما يشمل إعادة النظر في القيود المفروضة على الترشح، وتعزيز استقلالية القرار السياسي للمواطن، وفتح المجال لحرية الاختيار دون إكراهات مسبقة، فضلاً عن إعادة تقييم مسألة تحديد عدد المأموريات في ضوء المصلحة الوطنية ومتطلبات التطور الديمقراطي.
إن موقفي ليس انقلاباً على الماضي، بل هو قراءة متجددة للواقع، تنطلق من إيمان راسخ بأن السياسة فن الممكن، وأن الأوطان تبنى بتراكم التجارب وتصويب المسارات، لا بالجمود على نصوص وُلدت لظروف قد تكون زالت أو تبدلت.




