الأخبارفضاء الرأي

الحوار ليس ساحة للمزايدة ولا منصة للوصاية / القطب سيداتي

ما كان لليوم التفكيري المنظم في شيراتون أنواكشوط حول الحوار أن يثير كل هذا الجدل لولا أنه أصاب موضعًا حساسًا في المشهد السياسي. 

فقد نجح منظموه في استقطاب أعلام من نخبة البلد، ونجحوا في تسليط الضوء على زوايا القضايا المرشحة للنقاش داخل ورشات الحوار المرتقب، على نحو كشف عمق التعقيد وتشابك الأبعاد الدستورية والسياسية والاجتماعية لتلك الملفات.

 

غير أن هذا النجاح ذاته هو ما حرّك لدى بعض الجماعات الأيديولوجية مخاوف مكبوتة. 

إذ بدا واضحًا أن ثمة من كان يراهن على احتكار تعريف أجندة الحوار، وصياغة أولوياته، بل وتوجيه مخرجاته سلفًا وفق حسابات خاصة. 

وحين تبين أن النقاش الوطني لن يكون حكرًا على أحد، وأنه سيتأسس على تعددية حقيقية في الطرح والتحليل، انطلقت حملة تشكيك وتشويه، تصريحًا وتلميحًا، غمزًا ولمزًا، وتقويلًا للناس ما لم يقولوا، وتأويلًا للنيات قبل العبارات.

 

لقد اختار صاحب مقال “الحفاظ على خط الحوار” أن يقدّم المشهد على انه: قوى إصلاحية تدافع عن الحوار في مواجهة “قوى تخريبية” تسعى إلى تعطيله. 

غير أن هذا التصوير الثنائي يفتقر إلى الدقة التحليلية، بل ينزلق إلى خطاب تعبوي لا يخدم مناخ الثقة الذي يُفترض أن يكون شرطًا أوليًا لأي مسار حواري جاد.

 

أولًا، إن الطعن في حملة المشاريع الوطنية والعمل على ضرب مصداقيتها والخلط بينها وبين أصحاب المواقف الآنية ليس من النزاهة الفكرية في شيء ، وهو مؤشر على انزعاج واضح ممن كان يظن أنه متفرد بالتأثير ويسوق الأمور الكبرى في اتجاه غايات صغرى خاصة به ، والخلط بين النقد السياسي ومحاولة “الترهيب” أو “التخريب” يضيق من هامش النقاش ويؤسس لمنطق إقصائي يُصادر حق الاختلاف.

 

ثانيًا، إن الملفات المرتبطة باللغات الوطنية، ومكافحة التمييز، وملف المظلوميات الحقوقية بما فيها “الإرث الإنساني”، هي بلا شك وبلا مزايدات قضايا مركزية في البناء الوطني. 

لكن تحويل كل تحفّظ أو تخوف بشأن آليات معالجتها إلى عداء للوحدة الوطنية أو إلى حنين للفوضى، هو اختزال مخلّ. فالوحدة لا تُصان بتخوين المختلفين، ولا تُعزَّز بإحاطة النقاش بهالة أخلاقية تُجرّم كل اعتراض.

 

إن منطق “إما معنا أو ضد الوطن” لا يليق بمسار حوار يُراد له أن يكون جامعًا. فالحوار بطبيعته يفترض الاعتراف بتعدد القراءات وتباين المقاربات. 

وإذا كان الهدف هو الوصول إلى حلول توافقية ونهائية، فإن الطريق إلى ذلك يمر عبر نقاش حرّ، صريح، خالٍ من الوصاية ومن توزيع شهادات الوطنية.

 

والأخطر في مقال لوغرمو ليس دفاعه عن الحوار، بل احتكاره لتعريفه. 

فهو يقدّم نفسه ومن يوافقه بوصفهم حراس “الخط الصحيح”، ويصنّف سواهم في خانة “المعطّلين” و”الظلاميين” و”مروّجي الفوضى”. بهذا المعنى، يتحول الحوار من فضاء تداولي مفتوح إلى مسار موجّه سلفًا، يُطلب من الآخرين الالتحاق به بشروط محددة لا يشاركون في صياغتها.

 

إن الرغبة الصادقة في حوار يعالج الإشكالات الوطنية سياسيًا واجتماعيًا، بما يضمن استمرار وتيرة النماء والاستقرار، لا تعني القبول بتمرير أجندات خاصة تحت غطاء ثقة القيادة الوطنية في من أوكلت إليه مجرد عملية التنسيق. 

كما لا تعني أن يُستغفل الرأي العام لتكريس توازنات معينة داخل الحقل السياسي.

 

الحوار ضرورة، نعم. لكنه ليس ضرورة شكلية، ولا أداة لإعادة إنتاج موازين قوى معينة، ولا منصة لإضفاء الشرعية على أجندات خاصة. 

هو عملية سياسية معقدة، تتطلب شفافية في تحديد جدول الأعمال، ووضوحًا في الضمانات، واحترامًا متبادلًا بين مختلف الفاعلين.

 

أما التلويح بالويل والثبور، أو التلويح المقابل بشبح التخريب والانقلاب، فهما وجهان لعملة واحدة: عملة الخوف. والخوف، مهما تعددت مصادره، ليس أساسًا صالحًا لبناء جمهورية متماسكة.

 

إن الخيار الحقيقي ليس بين “الحوار أو الفوضى”، كما يُراد تصويره، بل بين حوار شامل يعترف بتعدد الفاعلين والرهانات، وحوار موجّه يُدار بمنطق الاصطفاف والتخوين. الأول وحده هو القادر على إنتاج تسويات مستقرة وعادلة. أما الثاني، فمهما بدا صاخبًا في لحظته، فإنه يؤسس لانقسامات مؤجلة لا تزول بتغيير العناوين.

 

من حق الجميع أن يدافعوا عن تصورهم للحوار. لكن ليس من حق أحد أن يحتكر الوطنية أو أن يختزل الجمهورية في موقف بعينه. فالجمهورية أوسع من الأجندات، والوحدة أعمق من الشعارات، والحوار – إن أُريد له أن ينجح – يجب أن يبقى فضاءً مفتوحًا، لا خطًا يُرسم ثم يُطلب من الآخرين السير 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى