«خذوه».. آخر عبارة في لقاء القذافي وموسى الصدر قبل نصف قرن من الغياب والترقب !!
إعداد : قسم تحقيقات الصدى/
ماذا حدث لموسى الصدر داخل ليبيا؟ ومن يتحمل المسؤولية؟
بعد 48 عاماً، ما تزال قضية اختفاء الإمام موسى الصدر ورفيقيه واحدة من أكثر الملفات غموضاً في التاريخ السياسي العربي الحديث. فرجل الدين اللبناني الشهير يومها دخل ليبيا في 25 أغسطس 1978 بدعوة من العقيد معمر القذافي، ليختفى بعد أيام، ولم يظهر له أثر منذ ذلك الحين إلى يوم الناس.
وبين رواية ليبية قديمة تؤكد أن الصدر غادر إلى إيطاليا، ورواية لبنانية ترى أن طرابلس كانت آخر محطة في حياته، بقي السؤال الأكثر حساسية: ماذا حدث لموسى الصدر داخل ليبيا؟ ومن يتحمل المسؤولية؟
رواية روما.. أول خيط في لغز طويل!
ظل نظام معمر القذافي طيلة حكمه لليبيا يؤكد أن الصدر ورفيقيه غادروا طرابلس متوجهين إلى روما، لكن الرواية واجهت تشكيكاً متواصلاً، خصوصاً مع عدم ظهور أدلة حاسمة تثبت وصولهم إلى إيطاليا. وفي المقابل، خلص القضاء اللبناني عام 2008 إلى اتهام القذافي بالتحريض على خطف الصدر واحتجاز حريته، في واحدة من أكثر الخطوات القضائية مباشرة ضد الزعيم الليبي في هذا الملف.
شهادات من داخل نظام القذافي تقلب الرواية
الأكثر إثارة في الملف لم يأت من خصوم القذافي، وإنما من شخصيات كانت جزءاً من نظامه.
فهذا أحمد رمضان، أحد أبرز المقربين من القذافي وشاهد على اللقاء الذي جمعه بالصدر، قال إن الاجتماع استمر نحو ساعتين ونصف، وإنه انتهى بعبارة من القذافي فُهمت باعتبارها أمراً باقتياد الصدر. وأضاف أن ما سمعه لاحقاً يؤكد تصفيته.
أما عبد المنعم الهوني، أحد رموز النظام السابق، فقدم رواية أكثر تحديداً، قائلاً إن جثمان الصدر نُقل بطائرة خاصة تابعة للقذافي إلى سبها ودُفن هناك. وهي شهادة خطيرة، لكنها تبقى، شأنها شأن غيرها، بحاجة إلى إثبات جنائي مستقل.
ومن جهته، أعلن مصطفى عبد الجليل، رئيس المجلس الوطني الانتقالي ووزير العدل الليبي السابق، أن التحقيقات الليبية بعد سقوط نظام القذافي كشفت «معلومات مهمة»، وأن السلطات الليبية كانت مستعدة لتقديم نتائج التحقيقات، مشيراً إلى وجود جثمان يُشتبه في أنه يعود إلى الصدر والحاجة إلى فحص الحمض النووي لحسم المسألة.
لبنان: القذافي في قلب الاتهام
في لبنان، لم تتعامل حركة «أمل» والقوى الشيعية مع القضية باعتبارها مجرد اختفاء غامض، بل حملت النظام الليبي المسؤولية السياسية والأخلاقية والقضائية عنه. وقد أعادت القضية إنتاج نفسها في العلاقات اللبنانية ـ الليبية لعقود، وصولاً إلى احتجاز هانيبال القذافي في لبنان على خلفية اتهامات تتعلق بإخفاء معلومات عن مصير الصدر، قبل الإفراج عنه في نوفمبر 2025 بعد نحو عقد من الاحتجاز.
لكن المسؤولية الجنائية الشخصية للقذافي تظل بحاجة إلى أدلة قضائية نهائية؛ فالروايات والشهادات المتعددة تعزز الشبهة، لكنها لا تغني عن الدليل المادي القاطع.
الحقيقة المؤجلة
تكمن المفارقة في أن سقوط القذافي عام 2011 لم يسقط لغز الصدر معه. بل ظهرت بعد سقوطه شهادات من داخل النظام، وملفات وتحقيقات جديدة، أعادت توجيه الاتهام نحو الدائرة الحاكمة آنذاك.
ماذا جرى في الساعتين الحاسمتين؟ .. وما ذا حصل بعد عبارة القذافي “خذوه” ؟

يبقى اللقاء الذي جمع موسى الصدر بمعمر القذافي في طرابلس أحد أكثر حلقات القضية غموضاً. وبحسب شهادة أحمد رمضان، المقرب من القذافي والذي قال إنه كان شاهداً على اللقاء، فقد استمر الاجتماع نحو ساعتين ونصف، وشهد نقاشاً حاداً، قبل أن ينتهي بعبارة مقتضبة قالها القذافي: «خذوه». ووفق رواية رمضان، اقتيد الصدر ورفيقاه بعد ذلك، ولم يظهروا مجدداً. كما ربط رمضان بين تلك اللحظة وما وصفه لاحقاً بأنه «تصفية» للصدر.
لكن هذه الرواية، رغم خطورتها ومصدرها من داخل دائرة النظام السابق، لا تكفي وحدها لإثبات أن عبارة «خذوه» كانت أمراً بالقتل؛ فقد تكون في سياقها المباشر أمراً بالاقتِياد أو الاحتجاز. غير أن دلالتها تكتسب وزناً استثنائياً عندما توضع إلى جانب شهادات أخرى من مسؤولين سابقين تحدثوا عن عدم مغادرة الصدر الأراضي الليبية، وعن احتمال تصفيته بعد اللقاء. لذلك تبقى العبارة واحدة من أهم المفاتيح التي تستحق التحقيق، لا باعتبارها دليلاً نهائياً على القتل، وإنما باعتبارها قرينة وشهادة تستوجب التحقق منها ومقارنتها ببقية الأدلة.
اتهامات للإمام الخميني بعد رصد تقارب بين الصدر و الشاه .. رواية بلا دليل حاسم !

رغم أن الأدلة لا تتوفر بشكل موثق ومؤكد عن تورط آية الله الخميني في اختفاء موسى الصدر، لكن علاقة الرجلين وتعقيدات المشهد الإيراني عام 1978 أضافت بعداً آخر إلى القضية. فقد كشفت برقية دبلوماسية أمريكية سرية مؤرخة في أكتوبر 1978، بعد أسابيع من اختفاء الصدر، أن رئيس الوزراء الإيراني آنذاك أبلغ دبلوماسيين أمريكيين وبريطانيين بأن الصدر كان قد أبدى استعداداً للابتعاد عن الخميني وإعلان تأييده للشاه، كما أشارت البرقية إلى مزاعم عن قيام الصدر بدور قناة لتمويل ليبي موجه إلى الخميني. لكن هذه المعلومات بقيت في إطار التقارير الدبلوماسية والاحتمالات، ولم تتحول إلى دليل على تورط الخميني. بل إن روايات المرحلة تشير إلى أن اختفاء الصدر أثار غضباً داخل الأوساط الشيعية الإيرانية واللبنانية، ووجهت أصابع الاتهام أساساً إلى النظام الليبي. وعليه، تبقى «الفرضية الإيرانية» سؤالاً تاريخياً مفتوحاً، لا حقيقة ثابتة.
اختبار قدرة ليبيا الجديدة على فتح الارشيف السياسي للقذافي
وهكذا، لا تبدو قضية موسى الصدر مجرد ملف لبناني ـ ليبي قديم، بل اختباراً لقدرة ليبيا الجديدة ولبنان على فتح أرشيف الماضي بعيداً عن الانتقام السياسي. فالحقيقة، إن كانت مدفونة في مكان ما داخل ليبيا، لا تحتاج إلى رواية جديدة بقدر ما تحتاج إلى وثيقة، وجثمان، وتحليل DNA، وسجل رسمي يضع نهاية لواحدة من أطول قضايا الاختفاء في المنطقة.
المسار الزمني لقضية الامام موسى الصدر :

- 25 أغسطس 1978: وصول الإمام موسى الصدر إلى ليبيا برفقة الشيخ محمد يعقوب والصحفي عباس بدر الدين، بدعوة رسمية للقاء العقيد معمر القذافي.
- 31 أغسطس 1978: الموعد المفترض لمغادرة الصدر ليبيا. منذ ذلك التاريخ ينقطع أثره ورفيقيه، وتبدأ القضية التي ستتحول لاحقاً إلى أزمة لبنانية ـ ليبية مفتوحة.
- سبتمبر 1978: السلطات الليبية تبلغ الجانب اللبناني بأن الصدر غادر طرابلس متوجهاً إلى إيطاليا. الرواية تصبح لاحقاً موضع تشكيك واسع.
- أواخر 1978: إيطاليا تنفي وجود الصدر على أراضيها، فيما تبدأ السلطات اللبنانية تحقيقاتها بشأن اختفائه.
- 1980 ـ 1990: قضية الصدر تبقى حاضرة في لبنان، بينما يستمر النظام الليبي في نفي مسؤوليته عن اختفائه.
- 2004: القضاء الإيطالي يغلق التحقيق المتعلق بوجود الصدر في إيطاليا لعدم ثبوت دخوله أراضيها، ما يضعف الرواية الليبية بشأن مغادرته طرابلس.
- 2008: القضاء اللبناني يوجه اتهامات إلى العقيد معمر القذافي وعدد من المسؤولين الليبيين في قضية اختفاء الصدر ورفيقيه، لتنتقل القضية إلى مستوى قضائي وسياسي أكثر حدة.
- 2011: سقوط نظام القذافي يفتح الباب أمام كشف وثائق وشهادات من داخل النظام السابق، وسط آمال لبنانية بالعثور على أدلة تكشف مصير الصدر.
- 2012: السلطات الليبية الجديدة تعلن تشكيل لجنة للتحقيق في القضية، وتظهر شهادات متباينة من مسؤولين سابقين حول مصير الصدر ومكان دفنه المفترض.
- 2012 ـ 2014: تتداول شخصيات ليبية روايات عن احتمال دفن الصدر في مناطق مختلفة من ليبيا، من بينها سبها، لكن من دون العثور على دليل جنائي حاسم يثبت أياً منها.
- 2016: توقيف هانيبال القذافي في لبنان بعد استدراجه إلى البلاد، واحتجازه على خلفية قضية الصدر، مع إثارته معلومات قال إنها تتعلق بملف الاختفاء.
- 2019 ـ 2024: تستمر التحقيقات والاتصالات اللبنانية ـ الليبية، فيما تظل قضية الصدر مرتبطة بملفات سياسية وقضائية وأمنية شديدة الحساسية.
- 2025: الإفراج عن هانيبال القذافي بعد سنوات من الاحتجاز يعيد قضية موسى الصدر إلى الواجهة، ويجدد النقاش حول ما إذا كانت السلطات الليبية تملك معلومات لم تُكشف بعد عن مصيره.
الخـــــــــلاصة:
منذ أغسطس 1978، انتقلت قضية موسى الصدر من حادثة اختفاء غامضة إلى ملف قضائي وسياسي عابر للحدود. وبين رواية «المغادرة إلى إيطاليا»، والشهادات التي تتحدث عن احتجازه أو قتله داخل ليبيا، لم يظهر حتى الآن ـ وفق ما هو معلن ـ دليل جنائي نهائي يحسم مصيره ومكان رفاته. وهذا تحديداً ما يجعل مسؤولية القذافي محل اتهام ثقيل، لكنه يحتاج في صورته القضائية النهائية إلى دليل مادي لا تترك معه الروايات المتعارضة مجالاً للشك.





