الأخبارالصدى الثقافيفضاء الرأي

“الأدب… ذاكرةٌ تكتب  نفسها لتنجو” / بقلم : الإعلامية والكاتبة  سهام عبدالله.

في كلّ مرّة نحاول  فيها الفرار من وجعٍ قديم،  نجد الحبر في انتظارنا. كأن الكتابة تعرف

موعد انكسارنا قبلنا، وتتهيأ لتكون الملاذ الأخير لقلوبٍ لم تتعلّم النسيان.

 

الأدب ليس ترفًا لغويًا  ولا مهارة في صياغة الجمل، بل هو فعل نجاةٍ روحي،

وبابٌ نلجأ إليه حين  تضيق بنا الحياة  ولا نجد سوى اللغة لنحمل فيها ما يعجز

القلب عن احتماله. نكتب لأنّ ما مرّ لم يرحل تمامًا،

ولأنّ هناك فينا

بقايا حنينٍ تتنفّس

بالحبر.

 

نكتب لأننا خسرنا

 لحظاتٍ لم نجد لها

 وداعًا لائقًا،وأشخاصًا

تركوا فينا أثرًا لا

يُمحى بالصمت.

 

فالأدب ليس إلا محاولة

 لتجميل الخيبة،

ولتقديم الوجع في ثوبٍ

من الجمال كي نحتمله أكثر.

 

إنه ذاكرةٌ نحاول تهذيبها بالحروف،

فنرتّبها كما يُرتَّب بيتٌ

يسكنه الغياب.

 

نكتب كي نغادر،

فنكتشف

أننا نقيم أكثر في

النصوص التي كتبناها.

 

نظنّ أننا نطوي الذاكرة،

لكننا نفتحها على

مصراعيها من جديد،

نقدّمها للعالم في شكل

حكايةٍ لا تشبه إلا ما لم

نُقلْه يومًا.

 

الكاتب حين يكتب،

لا يوثّق الماضي بقدر

ما يعيد بناء نفسه منه.

 

يصهر الألم ليصنع منه فكرة،

ويحوّل الوجع إلى ضوءٍ

يمكن أن يُرى دون أن يحرق.

 

في الكتابة، نرتّق الثقوب

التي خلّفها الزمن،

فنغدو أكثر إنسانيةً،

وأكثر قدرةً على البقاء.

هي ليست شفاءً تامًا، لكنها ترياقٌ يجعل النزف أجمل،

يجعل الجرح ينطق بلغةٍ أنيقة بدل أن يصرخ في العتمة.

 

الأدب، في جوهره،

هو الحنين وقد ارتدى

شكلاً من المعنى،

هو عزاءٌ طويلٌ نكتبه

لأنفسنا

على مهلٍ كي لا ننهار

دفعةً واحدة.

 

نكتب لأن الحروف

تمنحنا ما عجزت الأيام

عن منحه القدرة على

البوح دون أن نخسر

كبرياءنا،والقدرة على

 الحنين دون أن

نتّهم بالضعف.

 

في نهاية كل نصٍّ،

يبقى الأدب تلك الذاكرة

التي نُسكنها كتابًا

 لننجو منها،ثم نعود

إليها طوعًا لنقيم

في سطورها.

 

هو وعدٌ للوجع بأن نحفظه بشكلٍ يليق به،

وإيمانٌ بأن الحبر مهما

كان متأخرًا

ما زال أصدق

وسيلةٍ للنجاة

منّا وإلينا في آنٍ واحد.

 

تحياتي سهام عبدالله.

المصدر : صحيفة الصدى الورقية الصادرة بتاريخ الاثنين 20 ربيع الثاني 1447هـ الموافق 13/ 10/ 2025م

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى