يجب ألا يتحوّل خطاب “معاداة ولد اجاي ” إلى خطاب معاد للضريبة و للدولة / د.محمد ولد محمد الحسن

تُشنّ حملات منسّقة ومتعدّدة الأشكال -منذ عدة أشهر – ضد الوزير الأول السيد مختار ولد اجاي . ويُنسب مصدر هذه الحملات في الغالب ، إلى تيارات رجعية وشعبوية تفتقر إلى الحدّ الأدنى من الثقافة السياسية ؛ جعلت منذ سنة 2019 من زعزعة الاستقرار المؤسسي في موريتانيا ، “سياسة” معلنة .
غير أنّ ما هو أقلّ قابلية للفهم ، ويستوجب الإدانة الصريحة ، يتمثّل في الاشتباه في تورّط بعض الدوائر الإدارية والسياسية في خرقٍ صارخ لمبدأ التضامن الحكومي ؛ إضافة إلى طامحين مبكّرين ، متعجّلين وغير عقلانيين ، انخرطوا سلفا في حسابات انتخابية قبل أربع سنوات كاملة من اوانها ، دون أي استحقاق قانوني .
وتبقى أخطر هذه الانزلاقات : الحملة الأخيرة المعادية للضريبة ، التي ليست في حقيقتها سوى حملة معادية للدولة ومعادية للوطن .
ويبقى شيء مؤكد ، هو لا توجد أي تجربة تاريخية ، ولا أي دولة حديثة ، ولا أي اقتصاد فاعل ، دون نظام جبائي منظّم ، مشروع ، وفعّال .
إن استهداف الضريبة ، هو استهداف لأسس السيادة ، وإعادة التوزيع ، والتماسك الوطني . ومثل هذا الموقف ، لا يندرج في إطار النقاش الاقتصادي ، بل في خانة اللامسؤولية المدنية ! .
صحيح أنّ الفاعل المعني ، ( الذي شغل سابقًا ، منصب المدير العام للضرائب ، ثم وزير المالية خلال “العشرية” ، ارتبط في سياق معيّن بلجوء جبائي اعتُبر مفرطا ). غير أنّ هذا النقد يستوجب التأطير والتحليل ، لا التوظيف والمزايدة .
وبصفتي اقتصاديا ومتخصصا في الشؤون المالية ، (وقد درستُ بعمق ، تطوّر الوضعية الماكرو-اقتصادية والمالية لموريتانيا بين 2008 و2019 )، أودّ أن أذكّر – من أجل التاريخ – بالوقائع التالية ، التي لا تندرج ضمن الرأي ولا الاصطفاف.
فقد كانت موريتانيا تعيش وضعية مديونية مفرطة وخطِرة ، قلّصت بشكل حاد قدرتها على الولوج إلى التمويلات الخارجية؛
بلغت الأصول من النقد الأجنبي مستويات مقلقة ، قاربت حدّ العجز عن السداد . لذا
اضطرت الدولة إلى اللجوء إلى قرض استثنائي بقيمة 300 مليون دولار من المملكة العربية السعودية ، لتفادي التوقف عن الدفع .
وبالتوازي ، تعرّض البلد لصدمة خارجية كبرى ، تمثّلت في انهيار سعر خام الحديد من 174 إلى 37 دولارًا للطن ؛ إلى جانب تراجع أسعار المواد الأولية الأخرى ، نتيجة مباشرة لتباطؤ الطلب الصيني والأوروبي .
في هذا السياق ، لم تكن الخطيئة التاريخية هي اللجوء إلى الضريبة ؛ بل إنّ الخطأ الجسيم يكمن في سوء إدارة تدفّق استثنائي للموارد المالية ، التي غذّت لسنوات خزائن الشركة الوطنية للصناعة والمناجم (اسنيم) وخزينة الدولة ، دون أن تُوجَّه لتخفيض الدين ، أو تكوين احتياطيات استقرار ، أو إعداد البلاد لانعكاس حاد في الدورة الاقتصادية .
لقد كانت الإيرادات الجبائية – والجهود التي بذلتها الإدارة المالية بقيادة ولد اجاي ، مهما كانت صارمة ، بل ومفرطة أحيانا – هي التي حالت دون الانهيار المالي للدولة ؛ في بيئة اتّسمت بضبابية بنيوية ، حرمت الأطر والمواطنين على حدّ سواء ، من الأدوات اللازمة للتمييز بين الواقع الاقتصادي والروايات المصطنعة .
إنّ هذا التوضيح يفرض نفسه من أجل التاريخ ، ولكن أيضا من أجل المستقبل . فاللجوء إلى الضريبة ليس خطأً أخلاقيًا ، ولا جريمة سياسية ؛ بل هو أداة أساسية من أدوات السيادة ، والقدرة على الصمود الاقتصادي .
غير أنّه يجب أن يكون عادلا ، عقلانيا ومتناسبا . ذلك أنّ الضريبة ، وإن كانت ضرورة حيوية للدولة ، فإنّ كل إفراط فيها – كما كل ديماغوجية جبائية – يظلّ سمًّا زعافًا للأمّة .
محمد ولد محمد الحسن
خبير محاسبي ومالي ومصرفي
خريج جامعة باريس التاسعة – دوفين
في 10 فبراير 2026




